قصة محمد غصن (47 عاماً) لا تشبه مثيلاتها، فهو لم يكترث لكلام الناس ولم يسمع لأبناء ضيعته فاختار حياته وكوّن أسرته مع شريكته فاطمة التي ساندته على “الحلوة والمرة”.

محمد لبناني أما فاطمة فهي سورية نزحت مع أسرتها إلى البقاع اللبناني هرباً من الحرب التي اندلعت في بلدها في العام 2011 وحصدت قرابة 400 ألف شخص، وتسببت بتهجير ونزوح الملايين من السوريين.

ووصل عدد النازحين السوريين في لبنان إلى حوالي مليون لاجئ مسجل على قوائم مفوضية اللاجئين الأممية في حين ان السلطات اللبنانية تقدر عددهم بنحو مليون ونصف مليون نازح يعيش بعضهم في مخيمات للنازحين.

الحب من أول نظرة

يقيم محمد الملقب بـ”تشيلي” في بلدة شمسطار البقاعية، حيث تعرّف على فاطمة فكان الحب من أول نظرة، وتحدث لـ”بيروت توداي” عن أول لقاء بينهما، فقال: “كنت أعمل سائق باص، وصعدت الى الباص مجموعة من البنات فجذبتني إحداهن وعندما نزلت في منطقة تمنين، أحسست بشيئ غريب، وكأن روحي انسلخت عن جسمي”… يسكت لثوانٍ ثم يقول: “مرة أخرى صعدت أيضاً مع مجموعة من الفتيات إلى الباص عرفت لاحقاً إنهن أخواتها وأصبحت أنتظر دائماً في المكان الذي نزلت منه”.

“ومع الوقت، بدأت بتوصيل فاطمة وأخوتها من منزلها إلى مكان عملها في منطقة تمنين وبدأ المشوار”… قال غصن الذي كشف أنه “في بادئ الأمر لم توافق عائلتها على علاقتي بها، بل أكثر من ذلك والدها رفضني كلياً لأنني لبناني وأصبح هناك نوع من الخصام، لكن أخواتها أحبوني ولم يعارضن على علاقتي بها”.

قصة الحب التي نشأت بين محمد وفاطمة دفعت الطرفين إلى الزواج “خطيفة” بسبب معارضة أهلها وموافقة أهله، وقال محمد: “أمي وأبي رحمهما الله كانا يحبونها جداً وكانت علاقتهما بها جيدة جدا، وأمي كانت تحبها كثيراً قبل وفاتها وعاملتها كأبنتها”.

محمد الذي يعمل سائق “فان” (باص) بين بلدته ومدينة بيروت قرر ترك عمله بسبب جائحة “كورونا” بالإضافة إلى الأزمة الإقتصادية التي تعصف بالبلاد، وانتقل إلى مهنة جديدة وهي مهنة “الدهان”، ولكن مع قدوم فصل الشتاء أصبح العمل بها ضئيلاً، وأصبح محمد عاطلاً عن العمل منتظراً فرصة عمل جديدة أو ورشة صغيرة للدهان.

وأدّت الأزمة الإقتصاديّة -الماليّة- السّياسيّة الّتي يمرّ بها لبنان إلى إغلاق عشرات المؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة والكبيرة وتقليص أعمال عشرات آلاف المؤسّسات الأخرى، وبالتّالي صرف عشرات آلاف العمّال والأجراء. وأفادت نشرة الدولية للمعلومات أن نسبة البطالة ارتفعت وأصبحت تقارب نحو 35% من حجم القوى العاملة المقدّر عددها بنحو 1,340 مليون عامل أي أنّ عدد العاطلين عن العمل يتراوح بين  470 الفًا و500 الف.

نغم وعلي

رزق محمد وفاطمة بولدين نغم وعلي، وشرح محمد أن علاقته بزوجته ممتازة، وقال: “عندما قررت تسمية ابنتي نغم على اسم والدتي لم تعارضني فاطمة، بل أكثر من ذلك وافقت على تسمية ابني علي على اسم أخي، فهي تحبني كثيراً وتحب عائلتها”.

وتابع: “زوجتي ربة أسرة ولا تعمل وكل همها تربية ولديها تربية صالحة ولا تأبه لشيء ولا تغريها المظاهر، وليس لديها أي متطلبات كاللبس أو النزهات”… يسكت قليلاً محمد ليكشف: ” معظم رفاقي وأقربائي لم يعجبه موضوع زواجي من سورية وكانوا يفضلون لبنانية لكنني وقفت ضدهم وقلت لهم: هذا قراري وهذه حياتي، ولم اعط اذني لأحد ولا يهمني كلام الناس”.

أضاف: “الناس تريد أن تلتهي بشيئ ولا أريد أن أرد على أحد، فإذا كانت زوجتي سورية أو لبنانية كلنا خلق الله ولا فرق بين لبناني وغير لبناني”.

5200 حالة زواج مختلط

وبعد الإطلاع على العلاقات اللبنانية السورية نجد أن  ما يحصل من زيجات بعد النزوح السوري إلى لبنان ليس جديدا بل هناك تداخل كبير بين المجتمعين اللبناني والسوري على مستوى المصاهرة والزواج .

وكشفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لـ”بيروت توداي” أن “هناك ما يزيد عن 5200 حالة زواج مختلط ما بين لبنانيين ولاجئين سوريين”.

ويرى متخصصون في علم النفس والاجتماع أن ظاهرة تنامي زواج النازحات السوريات بشبان لبنانيين تدخل في إطار التواصل الثقافي والاجتماعي المستمر بين لبنان وسوريا، يضاف إليه العامل الاقتصادي.

الهجرة

وإذ أدت الأزمة الاقتصادية-المالية-المعيشية التي يشهدها لبنان إلى ارتفاع كبير في أعداد المهاجرين والمسافرين بحثاً عن فرصة عمل يفتقدونها في وطنهم، أو عن خدمات حياتية أساسية أصبحت شبه معدومة من الكهرباء والمياه والصحة والنظافة، رفض محمد رفضاً قاطعاً الهجرة، قال: ” لا أحب الهجرة ولا أسعى إليها، خصوصاً أنني تخطيت سن الأربعين، ولن أراهن بحياة عائلتي”.

وبحسب “الدولية للمعلومات”، في تقرير أصدرته في الثامن من شهر كانون الأول الماضي، فإن عدد اللبنانيين المهاجرين والمسافرين منذ بداية العام وحتى منتصف شهر تشرين الثاني 2021 قد وصل إلى 77,777 فرداً مقارنة بـ 17,721 فرداً في العام 2020، مشيرة إلى أن عدد اللبنانيين الذين هاجروا وسافروا من لبنان خلال الأعوام 2018- 2021 قد وصل إلى 195,433 لبنانياً.

محمد المتمسك بأرضه وجذوره اختار وطنه وعائلته وقصة حب يحافظ عليها مع زوجته يداً بيد لمواجهة التحديات عسى أن يحققا آمانيهما.

+ posts