Illustration: Amal Ghamlooch

استطاعت العديد من السوريات تخطي صعوبة الحياة بعد نزوحهن، وخرقن البعض منهن سوق العمل في لبنان لإعالة عائلاتهن في بلد يئن من أزمات اقتصادية وإجتماعية وسياسية وصحية.

فالنازحات السوريات في لبنان، كباقي اللبنانيين، يعانين من صعوبة ظروف العيش، ووحده الإصرار على تجاوز محنة الحرب والهجرة، كفيل بجعلهن قادرات على رسم مستقبل أفضل لهن ولعائلاتهن.

وفاء الجاجة ( 45 عاماً) نازحة سورية في لبنان منذ اندلاع الأحداث الدامية في بلدها، حكايتها تجسّد الإصرار والتفاؤل والنضال ومواجهة الصعاب في زمن قل فيه الطموح، فاختارت حرفة الخياطة والتطريز كمهنة لتأمين احتياجات عائلتها وتربية أولادهها.

روت وفاء لـ”بيروت توداي” كيف بدأت مسيرتها المهنية، وقالت: “بدأت مشروعي منذ 8 سنوات لأن الوضع الاقتصادي كان سيئاً جداً ففي البداية كنت أعمل بالتطريز في المنزل وأعرض المنتوجات على جيراني وعلى جمعيات متل كريتاس أجانب وبسمة وزيتون ووحدة رجاء”.

وأوضحت أن “جمعية بسمة وزيتونة تبنت مشروعنا وقدمت مساعدة لنا عبر شخص يسعى إلى تسويق منتوجاتنا في لبنان وخارجه، فازداد حماسنا وبتنا نحصل على اشكال التطريز عبر افكارنا ونبتكر الأشكال وأحياناً نستعين بالمواقع الالكترونية ونحاول أن نبدع، ونعرض أكثر من تصميم وموديل على الوسطاء ثم نبدأ بتنفيذ العمل”.

بسمة وزيتونة

وتنظم منظمة بسمة وزيتونة ورشات عمل بهدف التعليم على صناعة الكروشيه وإعادة استخدام المواد القديمة لإنشاء قطع جديدة محسنة. وبعد أشهر من التدريب، تتخرج كل امرأة مشاركة وتحصل على آلة خياطة للاستفادة منها في المنزل والحفاظ على المهارات التي اكتسبتها، ومن بين هذه النساء السيدة وفاء التي حصلت على ماكينة خياطة.

وقالت: “بداية كان لدى امي مكنة خياطة فاخدتها وبدأت أعمل عليها خياطة لتصليح أغراض الجيران، ثم سمعت عن مركز بسمة وزيتونة فسجلت اسمي واستفدت منهم بمكنة حديثة وصرت أخيط واقوم بتطريز رسومات جميلة على القماش او اخيط قطع كروشية”.

وتابعت: “ذاع صيتي في المنطقة التي أسكن فيها وبدأت ألفت النظر لعملي وصار يتطلب مني المزيد من الأشغال لاسيما تطريز الكروشية، وكانت الأسعار مدروسة ومناسبة، حتى صار جيراني (لبنانيون وسوريون) يشيرون إلي ويروجون لعملي فوسعت شغلي وبدأت أساعد نفسي وعائلتي”. 

أضافت: “ولكن بسبب كورونا وتردي الأوضاع الاقتصادية فكرنا بمشروع صغير نتطور وضعنا ونؤمّن مدخولنا لذلك بدأنا بتجميع سيدات للعمل على مشروع ميداليات او مطرزات أو كروشيه أو خياطة كمامات مطرزة تمهيداً لتسويقها في لبنان أو خارجه”.

وارتفعت نسبة الفقر في لبنان، خلال العام 2021، بفعل الأزمة الأقتصادية، على نحو كبير، بحسب تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، إذ طال الفقر 74 في المئة تقريباً من مجموع السكان في لبنان، بعدما سجل 55% في العام 2020، و28% في 2019.

مبادرة MADE51

ونظراً للحاجة لفرص العمل بين اللاجئين حول العالم، تسعى مبادرة MADE51 إلى ربط الحرفيين من اللاجئين الموهوبين بمن يساعدهم على تصريف منتجاتهم.

وأوضحت المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان دلال حرب لـ”بيروت “توداي”، أن مبادرة MADE51  تقدم منتجات جميلة من صنع اللاجئين من مختلف البلدان إلى السوق الدولية. هذه المبادرة، التي أطلقتها مفوضية اللاجئين، تربط اللاجئين، حيث هم، بشركاء المشاريع الاجتماعية لتصميم المنتجات الحرفية وإنتاجها وتسويقها في جميع أنحاء العالم. وعبر هذه المبادرة، تهدف المفوضية إلى خلق فرصة للاجئين لاستخدام مهنتهم بهدف استعادة استقلالهم الإقتصادي بقدر المستطاع. 

وشددت على أن “المفوضية تقوم بتحديد اللاجئين ذوي المهارات الحرفية، وتساعدهم على تكوين مجموعات ماكنة من الحرفيين وتربط هذه المجموعات بشركاء محليين ذوي خبرة في المؤسسات الاجتماعية. معًا، يطورون منتجات جاهزة للسوق. ومن ثم، تدعو MADE51 شركاء استراتيجيين من القطاع الخاص لرعاية المجموعات وخلق فرص التسويق وإتاحة المنتجات للبيع للمستهلكين في جميع أنحاء العالم. فمن خلال هذه المبادرة في ابتكار سبل العيش، نشمل المجتمع بأسره ونجمع شركاء جددًا يساهمون في خلق مساحة في عالم الأعمال الإجتماعية للمنتجات التي يصنعها اللاجئون”.

ولفتت حرب إلى أن ” MADE51 هي وسيلة ملموسة لإظهار التضامن مع اللاجئين وبمساعدة اللاجئين على كسب دخل كريم. في كل مرة يشتري فيها شخص ما منتج MADE51، فإنه يمكّن اللاجئين مباشرة من كسب الدخل والمساهمة في اقتصاد البلد المضيف. يبرز كل منتج من منتجات MADE51 المواهب التي يمتلكها اللاجئون وكيف يمكن أن يصبحوا مساهمين إيجابيين في المجتمعات والاقتصادات إذا ما أتيحت لهم الفرصة”.

مفتاح حياة آمنة

فالسلع المنتجة ليست حرفاً عادية بالنسبة للحرفيين النازحين الذين صنعوها، قد تكون مفتاح حياة آمنة جديدة، وتساعد على العيش بكرامة، وقالت وفاء الجاجة: “إني أم لـ3 أولاد وأسعى إلى تربيتهم تربية صالحة وأكمل دراستهم، وأسعى من خلال عملي إلى العيش بكرامة، وفي معملي أصبحن 14 سيدة يعملن كالأخوة، إلا أنه نظراً للأحوال الإقتصادية وجائحة كورونا، اضطريت على اقفال معملي وانتقلنا إلى العمل في منازلنا وحسب الطلبية”. 

وكشفت أن “مركز مشروعي حاليا بيتي وكل سيدة تعمل في بيتها ونجمع العمل ونسلمه في الوقت المحدد بأسعار مدروسة للمحلات أو للأشخاص المتفقين معهم سلفاً”.

وعن عودتها إلى سوريا، كشفت أنها لا ترغب بالرجوع إلى سوريا “لأن أولادي في سن خدمة الجيش، إضافة إلى أنه لم يعد لنا شيئ  في سوريا كي نعود من أجله، كله تدمر ونزحت إلى لبنان بسبب الحرب، فلا نريد أن نقتل أو نُقتل ولا نفوت بهل صراع، بحر دم صار في سوريا”.

وختمت: “لبنان بلدي الثاني وقدم لي مساعدة وعندما كنت بأمس الحاجة فتح أبوابه وحضني مع عائلتي، فأتمنى الخير لهذا البلد مثلما أتمنى الخير لسوريا، واتمنى أن يجعل الله هذا البلد آمناً”.

قصة وفاء واحدة من قصص يحملها النازحون الذين يتمتعون بالمهارات والمواهب ولا ينقصهم سوى فرصة للنمو والازدهار ليعيشوا بكرامة ريثما يستطيعون العودة إلى بلدهم بأمان.

+ posts