أن تستيقظ بلا كهرباء ولا ماء ولا وقود ولا عمل ولا طبابة وسعر دولار يلامس العشرين ألف ليرة، فذلك قد يكون كافياً لإدخالك في حالة نفسية غير سليمة إن لم نقل في حال من الكآبة.

وليست مفاعيل تلك الحالات بالأمر العابر بل يصل في بعضها الأمر إلى محاولة الإنتحار وأحياناً إلى تنفيذ الإنتحار، تلك الأزمات وغيرها كثير تشكل حالة ضغط نفسي على مجمل اللبنانيين خصوصاً الشباب منهم في في ظل غياب أي رؤية واضحة لمستقبلهم، وليست الأزمات الإقتصادية وحدها ما يؤزم ويعزز غموض مستقبل اللبنانيين بل هناك عوامل خارجية أخرى من بينها جائحة كورونا.

وتشير الدراسات إلى أن جائحة كورونا فاقمت عوامل الخطر المرتبطة بالسلوكيات الانتحارية، مثل فقدان الوظيفة، والصدمات النفسية أو سوء المعاملة، واضطرابات الصحة العقلية، والعوائق التي تحول دون الحصول على الرعاية الصحية.

إذا كنت تعتقد أنك قد تؤذي نفسك أو تحاول الانتحار، اتصل بالخط الوطني الساخن للدعم النفسي و الوقاية من الانتحار بالتعاون مع البرنامج الوطنيّ للصحّة النفسيّة التابع لوزارة الصحّة العامّة في لبنان للحصول على المساعدة المجانية بدون الإفصاح عن هويتك. يُذكر أن رقم الخط الساخن هو 1564.

وبحسب منظمة الصحة العالمية فإن أكثر من 700,000 شخص ينتحر كل عام في العالم، وتقابل كل حالة انتحار حالات أخرى عديدة من محاولات الانتحار. ومحاولة الانتحار من قبل هي العامل الوحيد الأهم الذي يزيد من احتمال الإقدام مرة أخرى على الانتحار لدى المنتحرين.

الانتحار هو ظاهرة تحدث في جميع أقاليم العالم. والواقع أن أكثر من 77% من حالات الانتحار العالمية في عام 2019 حدثت في البلدان المنخفضة والمتوسطة المداخيل، فأين لبنان من هذه الظاهرة؟ وما نسبة الإنتحار في بلد يعاني من أزمات اقتصادية وصحية وسياسية واجتماعية؟ 

عوامل عدة

أظهرت الدراسات والإحصاءات أنّ واحداً من كلّ أربعة أشخاص في لبنان معرّض للإصابة بمرض نفسي، ويحتاج إلى علاج في مرحلة من مراحل حياته.

مديرة العلاقات العامة والتواصل في جمعية “امبراس” للعناية بالصحة النفسية في لبنان، هبة دندشلي أوضحت لـ”بيروت توداي” أن أسباب الإنتحار، يمكن أن تكون فردية أو نفسية أو بيولوجية وهناك عوامل مؤثرة أخرى لاسيما اجتماعية وبيئية واقتصادية أو عدم توفر الأسس الإجتماعية والإقتصادية للعيش السليم، وهذه العوامل قد تزيد من التفكير بالانتحار.  

ولاحظت أن الأزمة الإقتصادية وجائحة كورونا بالإضافة إلى انفجار مرفأ بيروت كلها عوامل أدت إلى ارتفاع المشاكل النفسية، وهذا ما يظهره “خط الحياة” (1564).

ولفتت دندشلي إلى أن التعاون مع جهات رسمية يتم من خلال الخط الوطني الساخن للدعم النفسي والوقاية من الانتحار، بالتعاون مع وزارة الصحة العامة ضمن البرنامج الوطني للصحة النفسية. والعمل المشترك يكون أيضا عبر التوعية عن مخاطر الانتحار، وكيفية الابتعاد عنه والحؤول دون حصوله .

وشددت على “أننا بحاجة إلى اسس اقتصادية واجتماعية، خصوصاً أن حاجات الإنسان الأساسية غير متوفرة، فالمواطن اللبناني يستيقظ صباحا على مشاكل متنوعة، منها فقدان الوقود، التقنين القاسي في الكهرباء، وأزمة المصارف، وهذه الأمور تأثر سلباً على الصحة النفسية للشخص”. 

وإذ استنكرت غياب القوانين التي تحمي من التنمر، دعت الى اقرار قوانين تحمي الصحة النفسية للبنانيين .   

ولفتت إلى أن مركز “أمبراس” للصحة النفسية الذي افتتح العام الماضي، يقدّم جلسات علاج نفسية مجانية تحت اشراف ومتابعة أخصائيين نفسيين، بالإضافة إلى جلسات التوعية والدعم النفسي للشركات والمدارس والأفراد وغيرها…

وإذ نفت دندشلي وجود احصائية رسمية توثق عمليات الإنتحار، أوضحت أن لبنان “سجل 172 حالة انتحار في 2019 و150 حالة في 2020، فيما وثقت  64 حالة حتى نهاية شهر آب الماضي”.


شاهد أيضا | التباعد الجسدي وليس التباعد الاجتماعي: نصائح للتعامل مع ضغوط اليوم

إحصائيات

وتقول آخر الإحصائيات للأمم المتحدة إن نسبة 77%  من حالات الانتحار في العالم تحدث في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. 

وبحسب الأمم المتحدة، فإن هنالك ضعفاً في البيانات المتاحة عن الانتحار ومحاولات الانتحار وفي نوعية هذه البيانات. وهناك نحو 80 دولة فقط لديها بيانات جيدة عن تسجيل الأحوال المدنية يمكن استخدامها مباشرة لتقدير معدلات الانتحار.

وحصل “بيروت توداي” على آخر إحصائيات أجرتها جمعية “إمبراس”، والتي أظهرت أن شخصاً في لبنان يخسر حياته كل يومين فاصل واحد (2.1) في المتوسط، ويحاول شخص الانتحار كل ست ساعات.

وجاءت الإحصائيات على الشكل التالي: 

خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2021 ، تم تسجيل 65 حالة وفاة. 

  • في العام 2020 ، بلغ إجمالي عدد الوفيات الناجمة عن الانتحار 150 حالة. 
  • وفي العام 2019 ارتفعت وفيات الإنتحار إلى 172 حالة انتحار، فيما كانت في العام 2018 بلغت 157.
  • بلغ متوسط ​​عدد حالات الانتحار سنويًا خلال السنوات الثلاث الماضية (أي 2018 ، 2019 ، 2020) نحو 159. 
  • في المجموع ، تم تسجيل 477 حالة انتحار من قبل قوى الأمن الداخلي بين عامي 2018 و 2020. 
  • على مدى السنوات الثلاث ، كانت نسبة الذكور في التقارير المقدمة من قوى الأمن الداخلي أكبر دائمًا من نسبة النساء. 
  • كانت حالات الانتحار المبلغ عنها أيضًا أكثر شيوعًا بين الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 39 عامًا.

وتظهر الإحصاءات أن نسبة الانتحار لهذا العام انخفضت تقريباً، ويعود ذلك، بحسب محللين، نتيجة الوعي عند الأشخاص بضرورة زيارة المعالج النفسي، أو الإتصال على “خط الحياة”، بالإضافة الى نشر دعايات أو إقامة برامج أو دورات تشجع على العلاج النفسي، ناهيك عن قيام بعض الجمعيات غير الحكومية بفتح “عيادات نفسية” مجاناً.

تزايد الاتصالات

وكشفت دندشلي أن “هناك ارتفاعا كبيراً في عدد الاتصالات على “خط الحياة” (1564) التابع للجمعية وهو الخط الوطني الساخن للدعم النفسي والوقاية من الانتحار ، بالتعاون مع وزارة الصحة العامة ضمن البرنامج الوطني للصحة النفسية”.

وقالت: “حتى نهاية شهر آب من العام 2021 تلقى خط الحياة نحو 6 آلاف اتصال، بينما طيلة العام 2020  تم تلقي العدد ذاته، ما يشير إلى ارتفاع عدد الإتصالات”، وأشارت إلى أنه في الـ 2019 تلقى الخط 2,000 اتصال بالسنة.

وفيما أكدت دندشلي أن خط “الحياة”، هو خطوة أساسية أطلقتها جمعية “إمبراس” غير ربحية، في العام 2017 ، ذكرت “امبراس” على موقعها الإلكتروني أنها تلقت حتى الآن 15,117 اتصال وتم التواصل مع 15,455 شخصًا من خلال جلسات التوعية منذ العام 2014.

أسباب الانتحار

ويشرح معالجون نفسيون أن هناك العديد من الأسباب التي تدفع الإنسان للانتحار، منها نفسية أو مجموعة أسباب مختلطة، لاسيما:

  1. مشاكل نفسية

تشير الإحصائيات إلى أن أكثرية المنتحرين يعانون من مشكلة نفسية أو أكثر، منها: 

  • الاكتئاب: يعاني المصاب بالإكتئاب النفسي من تعكر في المزاج بشكل كبير والتعب وفقدان الإهتمام بالأشياء من حول المصاب بالإضافة إلى فقدانه للأمل، لذا هؤلاء الأشخاص المصابون بالاكتئاب الحاد يكونون أكثر عرضة لمحاولة الانتحار من غيرهم.
  • الهوس الاكتئابي: يشعر الشخص المصاب بالهوس الإكتئابي من تغير شديد في المزاج أي أنه تارةً يشعر بالفرح العارم، وتارة أخرى بالحزن الشديد، ومن الأخبار غير السارة أن واحداً من كل ثلاثة مصابين يحاولون الانتحار في مثل هذه الحالات.
  • الفصام: يسبب الفصام (Schizophrenia) رؤية أمور غير موجودة بالواقع والهذيان وحتى ظهور تغير في تصرفات المصاب.
  • اضطراب الشخصية الحدية  (Borderline personality disorder): يميز هذه الحالة النفسية المشاعر غير المستقرة، وأنماط التفكير المشوهة، والتصرفات المندفعة، وعادة يكون المصابين بهذا النوع من الحالة النفسية قد عانى من الإساءة أو العنف الجنسي في مرحلة الطفولة.
  • فقدان الشهية العصابي (Anorexia Nervosa): يعاني المصاب بفقدان الشهية العصابي من اضطراب في الأكل فيؤدي إلى سمنة زائدة، فيحاول خفض وزنه في كل الطرق الممكنة والتي تشمل قيء الطعام المتناول.
  1. الميول الجنسية

يعاني الأشخاص ذوو الميول الجنسية المختلفة ومجتمع الميم من حالات انتحار متعددة نظرًا لعدم تقبل المجتمعات لميولهم، بالإضافة إلى العدائية التي يواجهها هؤلاء الأشخاص في بيئتهم ومجتمعاتهم قد تساهم أيضًا في دفعهم للانتحار.

  1. الوضع الاقتصادي والبطالة

إن الأشخاص الذين يعانون من أوضاع اقتصادية سيئة، والذين تتراكم الديون عليهم ولا يستطيعون دفعها، قد يميلون للانتحار في كثير من الأحيان. كما أن الكثير من العاطلين عن العمل تنتابهم مشاعر سلبية جدًا، بالإضافة إلى انعزالهم عن المجتمع وعدم رغبتهم بالتحدث مع أي شخص، فيشعرون عندها بأنهم أقل كفاءة من غيرهم وتنتابهم أفكار الانتحار.

  1. تناول بعض الأدوية

تناول بعض أنواع الأدوية مثل مضادات الاكتئاب، فبعض الأشخاص تراودهم أفكار انتحارية عند البدء في تناول مثل هذه الأدوية، وبالأخص من هم دون الخامسة والعشرين من عمرهم.

  1. تجربة مؤلمة

إن المرور بتجربة مؤلمة مثل: وفاة أحد المقربين جدًا، أو انتحاره، أو حتى العيش تحت ظررف حربية قد يساهم في ميل الفرد للانتحار، كما أن الأشخاص المسجونين أو الذين خرجوا من السجن حديثًا قد يفكرون في بعض الأحيان في الانتحار أيضاً.

  1. الإدمان

إن  المدمنين على الكحول أو المخدرات لفترة طويلة من الزمن، يدخلون في مرحلة من الاكتئاب ويفكرون بالانتحار وبالأخص إن لم يجدوا المال الكافي لشراء هذه المواد.

إن الانتحار لا يقتصر على هذه الأسباب فقط، فهناك حالات لجأت للانتحار ولا تنطبق عليها أي من الأسباب السابقة.

+ posts