منذ أن دخل لبنان عين عاصفة COVID-19 بجسم غير مُتمتع لا بالمناعة الإقتصادية ولا بالحصانة المعيشية، أغلقت الجامعات والمعاهد والمدارس الحكومية والخاصة وشبه الخاصة وتلك التابعة للأونروا أبوابها بوجه تلامذتها كخطوة احترازية للحد من الفيروس. تأثر بمجمله أكثر من 1.2 مليون طالب وطالبة، من بينهم ما يقارب 30,000 ألف طفل وشاب في التعليم الغير الرسمي.

ومنذ ذلك الوقت، بدأت أغلبية المدارس والجامعات تفعيل تجربة “التعليم والتعلم عن بعد” كأداة إفتراضية تخول التلميذ من أن يطلع بشكل دائم ومتواصل على دروسه السابقة وتلك التي سيتم تدريسها عبر الشاشات.

 وفور إنتهاء هذه التجربة “الفاشلة”، كما وصفها معظم التلامذة وأهاليهم والتي استمرت ما بين ثلاثة وأربعة أشهر، باشرت بعض من المدارس الخاصة إلى مطالبة الأهالي بسداد القسط المدرسي كاملاً. استخدمت المدارس مختلف أنواع الضغط والتهديد تحت طائلة عدم تسجيل أبنائهم للعام الدراسي المقبل رغم الأزمة الإقتصادية القاهرة وعدم إنتظام الدراسة منذ بداية العام التعليمي، وسط تلويح عدد كبير من الأهالي بعدم السداد إن لم تخفض المدرسة ما لا يقل عن 30 بالمئة من القسط بسبب عدم إسداء الخدمات التعليمية، إذ أنهم يتوقعون تدابير وإستثناءات “إنسانية” و”أخلاقية” في ظل الظروف الحالية.

مما لا شك فيه أن كلا من الأهالي والمدارس الخاصة في موقع صعب للغاية، إذ تستنزف الأعباء المادية الأسرة التربوية في هذه المدارس على وجه التحديد، وتطاول المعلمين والمتعلمين والوالدين على حد سواء، لكن القسط المدرسي لا يجب أن يستحق كاملاً، علماً أن الطلاب أمضوا في بداية العام الدراسي ما بين العشرين والأربعين يوماً في منازلهم بسبب الاضطرابات الناجمة عن الانتفاضة.

تجربة غير جدية وغير مجدية

لم تلتزم العديد من المدارس بقرار تفعيل تجربة التعليم عن بعد بصورة جدية ومتواصلة، إذ عمدت المعلمات والأساتذة إلى إرسال فرض جديد كل عشرة أيام، وذلك دون شرح مُعمق أو تفسير مُفصل للدرس عبر تقنيات الفيديو، حيث يتم تصحيحه وإرجاعه للطالب بعد ما يقارب الشهر.

وقبل إنتهاء “العام الدراسي الإفتراضي” بأسابيع معدودة، باشرت هذه المدارس إلى ضغط التلامذة بالواجبات العشوائية، وسارعت إلى تفعيل تقنيات الفيديو (علماً أن ثمة صفوف متعددة لم يُخصص لها في الأشهر الفائتة أي صف إفتراضي عبر الفيديو، لتصبح هذه التقنية متوفرة لتلك الصفوف قبل إنتهاء تجربة التعلم عن بعد بما لا يناهز الثلاثة أسابيع).

فلِماذا تَحول هذا التراخي عند الأساتذة واللامبالاة عند الإدارات المعنية التي استمرت حوالي الشهرين، إلى ضغط على التلامذة وتباهي على الأهالي بأيام محصورة قبل إنتهاء هذه التجربة “الغير جدية والغير مجدية”؟

يبدو واضحاً أن المدارس الخاصة تتخبط بتدابيرها العشوائية، واللافت كان امتعاض الطلاب وغضب الأهالي من سوء الأسلوب التعليمي المُتَبع. وبالتالي، أبلغ تجمّع اتحادات لجان الأهل في المدارس الخاصة وزير التربية طارق المجذوب أنّ الأهالي “لن يدفعوا أكثر من 50 بالمئة من القسط المدرسي”، وأن “التعليم عن بعد خدمة لا تمرّك مبالغ إضافية كونها تجربة لا تنال رضى جميع الأهالي ولا تطاول جميع الطلاب”.

ويجدر الإشارة إلى أن هذه الخدمة لم يجرِ تفعيلها على مستوى عالٍ من الحرفية، إذ أن واجه عدد هائل من الطلاب معوقات إقتصادية لم تسمح لهم بمتابعة دروسهم. كما أنه لم يتم تأمين فرص متكافئة لجميع التلامذة بسبب تقنين الكهرباء الذي كان يستمر من ثلاث إلى 12 ساعة في اليوم (علماً أن العديد من الطلاب ليس لديهم اشتراكات في المولدات الخاصة) وعدم وصول الجميع لشبكات الإنترنت بسبب إرتفاع تكلفتها (هذا إن كان بحوزتهم هواتف وكمبيوترات طبعاً)، ناهيك عن قلة الخبرة لدى شريحة من الأساتذة بأساليب التعلم عن بعد، مما ينعكس على أدائهم وقدراتهم في إيصال المعلومات للتلاميذ خاصة أن المواد المُعدّة في المناهج غير قابلة لتعليمها عن بعد.

يجمع معظم الأهالي أنّ ظروفهم النفسية والإقتصادية المتدهورة جراء الأزمات التي تمر بها البلاد أثّرت على قدرتهم في متابعة دروس أبنائهم، لا سيما أن فقد أكثر من 4000 لبناني وظيفته منذ تشرين الأول، 2019. وبالتالي، يعتقد الأهل أن من معه مؤونة لليوم الأسود لن يدفعها للقسط ويترك عائلته من دون طعام فيما البلد بلا أفق إقتصادي. 

ويكشف مسح تم إجرائه على 137 طفلاً لبنانياً وفلسطنياً وسورياً تتراوح أعمارهم بين 12 و24 سنة ما يلي:

  • يجد 75 بالمئة من الشباب صعوبة في التعلم عن بعد، حيث ترتفع هذه النسبة إلى 80 بالمئة عند الفتيات.
  • أفاد ثلثا الشباب بالحاجة إلى الدعم المادي (علماً أن أغلبية أفراد أسرة الطلاب فقدت وظائفها).
  • أفاد 90 بالمئة من الطلاب أن الدعم المادي سيذهب أولاً لشراء الطعام، وثانياً للأدوية.
  • أكد 40 بالمئة من الأطفال التي تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاماً أن الأوضاع الإقتصادية والصحية الراهنة تؤثر سلباً على صحتهم العقلية. 

لذا التعليم عن بعد ليس بديلاً عن الصفوف الدراسية ويجب التعويض على التلامذة بأيام إضافية. 

أما قانونياً، يخضع التعليم في لبنان لقوانين تنظم ميزانيات المدارس الخاصة، ورواتب المعلمين، وشروط دفع الرسوم الدراسية، من ضمنها القانون 515 (1996).

القسط لا يجب أن يستحق كاملاً سواء في المدارس التي اعتمدت التعليم عن بعد أو تلك التي لم تعتمد، فالنفقات التشغيلية المنصوص عليها في البند ج من الموازنة المدرسية (التي تفرض أن 35 بالمئة من ميزانيتها يجب أن تنفق على تكاليف الصيانة والكهرباء والمياه) يجب أن تعدّل حكماً تبعاً لعدم صرف المدرسة النفقات في الفترة التي أقفلت فيها أبوابها، وبالتالي يجب أن تخفّض من القسط .وبكلتا الحالتين، لا بدلات نقل ولا ساعات إضافية ولا مكافآت للأساتذة، ما يستتبع خفض البندين أ و ب من الموازنة وبالتالي خفض القسط. 

  ملاك حمية | عضو المنسقية القانونية في اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة

يحظر على المدارس الخاصة تحديد القسط المدرسي بغير الليرة اللبنانية 1515, على أن يتم الإلتزام بهذا الشأن وفق ما هو مدرج عليه في الموازنة المدرسية, وكذلك عدم إلزام التلاميذ بشراء الكتب واللوازم المدرسية من المدرسة أو منعهم من استخدام الكتب المستعملة التي ما زالت صالحة للإستعمال…  

تعميم الرقم 23 م 2020

معظم المدارس باتت تهدد بالإقفال نتيجة عدم قدرتها على دفع رواتب المعلمين كاملة، والسبب كما تؤكد أغلبية الإدارات هو عدم دفع الأهالي القسط المستحق. ولكن، في المنطق، هذه الأزمة لم تولد لمجرد أن الأهالي ترددوا في دفع القسط كاملاً لهذه السنة. فأين ذهبت أموال المدارس وماذا عن الأقساط الباهظة التي تقاضوها طيلة السنوات الماضية؟ مع العلم أن المدارس الخاصة في لبنان معفاة من الضرائب والرسوم كونها مؤسسات لا ربحية! 

ومن المهم التذكير أن التواصل المستمر بين المدارس الخاصة وأولياء الأمور أمر أساسي للغاية خلال هذه الفترة الصعبة من أجل الوصول إلى حل منصف وحكيم يرضي الطرفين، خاصة مع وجود خطر عليها بظل نزوح أكثر من 100,000 طالب من التعليم الخاص إلى التعليم الرسمي لهذا العام.

لكن لا تزال هنالك مدارس عدة في مناطق مختلفة ترفض اللقاء أو التشاور مع الأهالي بموضوع خفض الأقساط، مع الإشارة إلى أن هذه المدارس قررت خصم ما لا يزيد عن 10-15 بالمئة من القسط، فيما تعاونت مدارس أخرى مع الأهل وعمدت إلى خصم 30-40 بالمئة.