”أبكي كلّ يوم. صرت أشعر بالوحدة والحزن. ضغط العمل يزداد ويزداد معه التوتر والأرق… حتى أنني فكّرت بالانتحار عندما اشتبه بإصابتي بالفيروس“. هكذا تروي الممرضة سلمى (اسم مستعار) ما تعانيه من جراء عملها في قسم الكورونا في إحدى المستشفيات. سلمى التي فضّلت عدم ذكر اسمها لكي لا تُقلق أهلها وأقربائها، أثبتت التحاليل المخبرية عدم إصابتها بالعدوى. لكن، ورغم ذلك، تعاني من اضطرابات نفسية حادة.

سلمى لا تر أهلها نهائيا، خوفا من نقلها العدوى لهم، خاصة وأنهم كبار في السن. ابتعد عنها زملائها وأصدقائها لدى علمهم بقرارها العمل في القسم المخصص للعناية بمرضى الكورونا. تقول: ”عندما تمّ تخييري بين القسم المخصص للعناية بمرضى الكورونا وقسم اخر داخل المستشفى، اخترت الأول، لكسب الأجر عند الله“.

حال سلمى هو حال قسم كبير من العاملين في المجال الطبي والصحي داخل المستشفيات والمراكز الطبية التي تستقبل المصابين بفيروس كورونا، لناحية الإضطرابات النفسية. وقد كشفت دراسة أجريت من قبل باحثين في مجال الطب النفسي، على العاملات والعاملين الصحيين والطبيين الذين يتعاملون مع المصابين بالفيروس في الصين، وتحديدا في مدينة ووهان مركز تفشي الفيروس، أن 50.4 بالمئة من هؤلاء الأشخاص يعانون من الكآبة، فيما يعاني 44.6 بالمئة منهم من القلق، و34 بالمئة يعانون من الأرق، فيما أشار 71.5 بالمئة من عيّنة شملت 1257 شخصا (39.2 بالمئة منهم أطباء و60.8 بالمئة ممرضات وممرضين) أنها تعاني من ضغوطات نفسية بشكل عام.  نتائج هذه الدراسة لا تنطبق أرقامها، بطبيعة الحال، على واقع القطاع الطبي والصحي في لبنان. ولكنها تعكس واقع الإضرابات النفسية التي تهدد كافة العاملين في هذا القطاع. 

لم تستطع هبة (اسم مستعار)، ممرضة في قسم الكورونا في مستشفى رفيق الحريري الجامعي، من منع نفسها من البكاء خلال الاتصال الهاتفي الذي أجراه معها ”بيروت توداي“. فالتفكير المفرط والمتواصل يرافق هبة يوميا، وفي الليل خصوصا، وهي تعاني حاليا من الأرق بعدما اختلفت وقلّت ساعات نومها كثيرا، نتيجة الضغوطات النفسية. تعتبر هبة بأن كامل الكادر العامل في قسم الكورونا يحتاج للدعم النفسي، ”بس نحنا مضغوطين والإدارة مضغوطة كمان، وما حدا قادر ينتبه على حدا“ تضيف هبة التي تتكّل للحصول على بعض الدعم على زملاء لها في القسم نفسه ”لنخفف شوي عن بعض“.

ينسحب واقع الممرضات والممرضين على الأطباء أيضا، فتروي الطبيبة سهى فخرالدين لـ”بيروت توداي“ بأن ”الليل هو الأقسى، كوابيس تراودني وزملائي تتعلق بالكورونا“. أحد أسباب الضغط النفسي الذي يتعرض له هؤلاء الأطباء سببه تأثرهم بالحالة النفسية للمرضى، ”فهم بحاجة لكثير من الدعم“ بحسب فخر الدين.

التذمر ممنوع داخل الأقسام الطبية في المستشفيات. ممرضات وممرضين وأطباء وعاملات وعاملين آخرين داخل أقسام الكورونا يعملون بصمت. غالبيتهم لا يرون أهاليهم أو أطفالهم نهائيا خوفا من نقل العدوى إليهم في حال حملهم للفيروس دون ظهور العوارض. هؤلاء يتقاضون أجورا متدنية ويعملون لساعات طويلة جدا محاولين البقاء صامدين لتخطي هذه المرحلة. يأملون الحصول على بعض حقوقهم المهدورة منذ زمن من قبل المستشفيات الحكومية والخاصة على حد السواء، لعلّ البعض يدرك الآن أهمية دورهم وصعوبة مهامهم.

وصمة ”العمل في مستشفى“

بات من الممكن الحديث عن وصمة جديدة مرتبطة بالعاملات والعاملين في المستشفيات، لاسيما تلك التي تستقبل المصابين بفيروس كورونا. يرفض سائقو السيارات العمومية إيصال عزيزة الى مركز عملها الكائن في مستشفى بيروت الحكومي، فوجدت حلا يقضي باستبدال العنوان المقدم للسائق الى عنوان آخر يبعد دقائق سيرا على الأقدام عن المستشفى. 

وفي احدى المستشفيات خارج بيروت، تم عزل الممرض محمود لأكثر من أسبوع في الحجر الصحي، بعدما تبيّن أن المريض الذي اعتنى يحمل فيروس كورونا، ولم يكن فريق العمل على علم بذلك بادئ الأمر. يقول محمود عن هذه التجربة: ”توترت كثيرا وبت أرجف عندما علمت بذلك. كانت فترة الحجر بمثابة سجن فعلي، لا نوم فيه (…) وعند خروجي من الحجر الالزامي، وعودتي الى المنزل، تعرضت للتنمر من قبل الأقارب والجيران، فأنا أحمل وصمة العمل في مستشفى“. 

ممرضات/و المستشفيات الأخرى: خوف وترّقب

ينقل لنا بعض الممرضات والممرضين، العاملين في المستشفيات التي لم تستقبل المصابين بعدوى الكورونا بعد، بأن أكثر ما يشغل تفكيرهم هو خوفهم من التقاط العدوى من أي شخص قد يدخل لتلقي العلاج لأي حالة مرضية كانت، وهو حاملا للعدوى من دون ان تظهر عليه أي عوارض. يضاف إلى ذلك، الترقب والقلق والأفكار التي تدور في الأذهان بما يتعلق باستقبال هذه المستشفيات للمصابين بعدوى الكورونا مع ارتفاع أعداد الحالات في المناطق في الأيام أو الأسابيع المقبلة. 

وفي الحالة الثانية، ينقسم هؤلاء على ثلاث مجموعات: 

المجموعة الأولى ترغب بشدة الانضمام الى الفرق التي ستعمل في الأقسام الخاصة بالكورونا، فيما ترفض الثانية الفكرة ولن تنضم لهذه الفرق، ومجموعة ثالثة لا تريد الانضمام أيضا ولكنها مجبرة على ذلك. فستعمد بعض المستشفيات على إكراه بعد الممرضات والممرضين على القيام بهذه المهام، بسبب النقص في أعداد الممرضين وخاصة ذوي الخبرة في التعامل مع حالات الطوارئ أو العناية الفائقة أو العزل، وذلك بحسب ما أكّد مصدر طبي في احدى المستشفيات.

في دراسة أخرى أجريت في كلية الطب في جامعة ووهان، شملت 180 شخص من الطاقم الطبي والصحي ممن عالجوا أو تعاملوا مع المرضى المصابين بعدوى الكورونا في الفترة الممتدة بين شهري كانون الثاني وشباط 2020، أظهرت نتائجها بأن الدعم الاجتماعي المقدم للطاقم الطبي والصحي قلّل من مستويات القلق والتوتر لدى هؤلاء، وأثّر بشكل إيجابي على كفاءتهم المهنية، مما ساعدهم أيضا على مواجهة مشكلة الأرق.

مبادرة الإسعافات النفسية الأولية 

في لبنان، وحتى الآن، لم يُقرّ البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة العامة خطة الرعاية الصحيّة، وكان قد وعد المعنيين في الوزارة بإطلاقه الأسبوع الفائت. في موازاة تقاعس السلطات المعنية، قرر مجموعة من طلاب قسم علم النفس في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية التحرّك وأخذ المبادرة.

تقول المتخصصة في علم النفس العيادي، نجوى دعجه، المشرفة على فريق الدعم النفسي في هذه المبادرة، أنّ العمل يستند على تقديم ”الاسعافات الأوليّة النفسيّة“ للمحتاجين اليها. يضمّ الفريق حاليا 30 متطوعا يتواصلون مع من يرسل لهم ”أحتاج لدعم نفسي“ على أرقام مخصصة. وقد تواصل ”المسعفون النفسيون“ منذ انطلاق المبادرة مع 600 شخص من طالبي الدعم النفسي.

وتضيف دعجه أنه، وبعد العديد من الكتب المرسلة للوزارة المعنية، قررت الحكومة دعم هذه المبادرة عبر تخصيص خط ساخن للربط بين الحالات والطلاب أو الأفراد الذين يمتلكون اذن مزاولة مهنة النفساني.

ولدى سؤالنا عمّا إذا كان هذا الفريق يتوجه أيضا للعاملات والعاملين في القطاع الصحي والطبي، أجابت دعجه أنّ هذه الفئة بأمسّ الحاجة للدعم وسنعمل على تخصيص مجموعة حصرية لها. والجدير ذكره بأن بدء العمل على تقديم الدعم الخاص لهؤلاء العاملات والعاملين جاء بعد تواصل ”بيروت توداي“ مع دعجه ونقل واقع الضغوطات النفسية والاضرابات النفسية التي تؤثر على هذه الفئة أكثر من سواها. 

هذه المبادرة التي انطلقت من طلاب الجامعة اللبنانية، توسّعت وباتت جزء من مبادرة أكبر تضمّ أطباء أيضا، تحت الاشراف العام للطبيب حسن سلامة الذي يقرّ بأهمية الدعم النفسي للممرضات والممرضين والأطباء على حدّ سواء. ”الزقفة كتير حلوة…بس وحدها ما بتكفّي“، وفق سلامة الذي يرى بان هذه الخطوة التي تعبّر عن تضامن وتقدير الناس لجهود القطاع الصحي، على أهميتها، لا تقدّم لهؤلاء العاملات والعاملين حقوقهم المعنوية أو المادية. ويعطي سلامة الأطباء المتطوعين من كلية العلوم الطبية في الجامعة اللبنانية نموذجا وقدوة، فهم يخاطرون بأنفسهم دون مقابل، ”ولا يملكون حتى تأمينا على الحياة“.

رسائل منظمة الصحة العالمية

في هذا السياق، ونظرا لأهميّة الصحة النفسية خاصة خلال الأزمات، وجّهت منظمة الصحة العالمية في 18 آذار 2020 مجموعة من الرسائل للدعم النفسي والفكري للعاملات والعاملين في القطاع الصحي، أهمها:

  1. ضمان ما يكفي من فترات الراحة والاستراحة أثناء العمل.
  2.  تناول الطعام الكافي والصحي.
  3. ممارسة الرياضة.
  4. البقاء على اتصال مع العائلة والأصدقاء من خلال وسائل الاتصال الرقمية.
  5. تجنب استخدام استراتيجيات التكيّف المؤذية مثل استخدام التبغ أو الكحول أو المخدرات.
  6. اللجوء الى الزملاء أو المديرين أو الأشخاص الموثوق بهم للحصول على الدعم النفسي والاجتماعي.

كما توجهت المنظمة برسالة الى رؤساء الأقسام والمدراء في القطاعات الطبية فيها بعض النصائح، ومنها:

  1. تبديل دوامات العمل الخاصة بالطواقم الطبية والصحية بين نطاق عمل ذو درجة عالية من الضغط النفسي ونطاق عمل ذو درجة منخفضة من الضغط النفسي، وبالعكس، وذلك بشكل دوري.
  2. وضع دوامات عمل مرنة للعاملات والعاملين المرهقين أو المضغوطين.
  3. تأمين الوقت اللازم للطواقم الطبية والصحية لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لبعضهم البعض.
  4. التركيز على القدرة المهنية لاستمرارية العمل على المدى البعيد لأنّ الوباء لن يختفي بسرعة.