Photo: Twitter / @EidAzar) Man being treated in a parking lot at a Lebanese hospital)
(Photo: Twitter / @EidAzar)

لم يعد من الغريب للسلطة المحاصرة أنفاسها أن تحوّل كورونا وتداعياتها مسرحاً إقليمياً ودولياً يمكن من خلاله استعادة ثقة مفقودة ومجد قد ضاع. فالتعثر الرسمي المتمادي والمتكرر في حماية لبنان وشعبه من الفيروس الفتاك قد أثبت مرة جديدة تفضيل أركان هذه السلطة الإنتفاع الخاص على المنفعة العامة. لذا، ليس الفشل والتقاعص في إدارة هذه الجائحة إستثناء، إنما هما ”القاعدة المتجذرة في إدارة الدولة ومؤسساتها“. 

التردد والضياع والخلافات بين السلطات الصحية والأمنية والسياسية كانت في أساس الإنتشار الرهيب والمرعب للفيروس، فالطريقة التي اعتمدتها وقادتها الحكومة للمواجهة لم تثمر سوى عن مزيد من المآسي. الواقع مبكٍ والقادم مفجع ومفزع بحسب المؤشرات والأرقام، إذ يبدو أن ما عجزت الجهات المعنية عن فعله منذ شباط الماضي لاحتواء الوباء لا تفاؤل كبيراً بأن تحققه خلال مرحلة الإقفال العام الرابعة.

هكذا، وبفعل التراخي المعتمد والمتعمّد من قبل القيمون على نظامنا الصحي الذي هو أصلاً مكسوراً، امتلأت المستشفيات حتى الإنفجار. وهذا المسار قد دفع بالمواطن الغارق بالفوضى وقلة المسؤولية إلى سلك ”التلم الأعوج“ الذي شقته دولته الكبيرة، فيتحايل على القوانين ويتمرد على الإقفال. إذاً، بين سلطة لا تجروء على اتخاذ قرارات رادعة حاسمة وشعب لا يريد أن يحترس ويحترز، ارتفعت الإصابات اليومية بالجملة وباتت أسرة العناية الفائقة تتأمن بالمفرق.

لكن، وانطلاقاً من مبدأ ”بفضل موت من كورونا على إني موت من الجوع“، من سيؤمن مبالغ تكفي العائلات الأشد فقراً والأكثر حاجة خلال فترة الإقفال؟ وهل من ضمانات فعلية تحفظ حقوق المواطن؟ عن هذا الموضوع، يشير مدير مكتب لبنان في اللجنة الدولية لحقوق الإنسان رامي فواز إلى إمكانية إرتفاع نسب اللامساواة والتمييز بين مواطن وآخر مع اقترابنا نحو ما هو أسوأ من “السيناريو الإيطالي“.

ولفت فواز في حديثٍ ل ”بيروت توداي“ إلى أن ”الدولة لديها مشروع وطني تم إطلاقه في 17 تشرين الأول من عام 2011 لمساعدة العائلات الأكثر فقراً عبر وزارة الشؤون الإجتماعية تحت عنوان حياة بعد أن كان إسمه حلاً. وهذا المشروع ممول جزئياً من البنك الدولي وخدماته ممولة من الحكومة اللبنانية، بحيث يعمل فريق عمله من خلال مراكز الخدمات الإنمائية التابعة لوزارة الشؤون الإجتماعية“.

وأضاف ”على الرغم من مساهمة هذا المشروع في منح بعض من المواطنين بطاقات لتغطية فارق الفاتورة الصحية من قِبل وزارة الصحة العامة، لم يتم تفعيله وإعطائه أولوية- خاصة بعد زلزال الرابع من آب“.  

القطاع الصحي والاستشفائي في مرحلة ”الموت السريري“

يبدو أن لا أمل للبنان بالإنتصار على وباء كورونا طالما أن المواطن لا يتقيد بالإجراءات الوقائية والسلطات المعنية لا تفرض الرقابة الجدية المُجدية. انطلاقاً من هنا، تجاوزت نسبة الإصابات 15 بالمئة، أي أضعاف ما يُسَجل في دول يتخطى عدد سكانها المليار نسمة، الأمر الذي رفع بدوره الصعوبات والمعاناة في القطاع الإستشفائي.

من جهته، أشار فواز إلى أن ”المستشفيات الحكومية أصبحت مجهزة بالكامل بعد أن كانت مُهملة على مدى عقود من الزمن، على عكس المراكز الصحية الخاصة التي هي اليوم في حالة حرجة ومنها المستشفيات، والمستوصفات، والمختبرات، والأدوية والطاقم الطبي والتمريضي“.

الأسرّة المخصصة لمرضى كورونا ”فوّلت“، فكانت مشاهد المصابين ينتظرون في مواقف السيارات وعلى المداخل شغور غرفة واحدة، وأحياناً يضطرون التوجه إلى مستشفيات بعيدة عن مكان سكنهم لاستقبالهم على الرغم من خطورة حالتهم الصحية.


للمشاهدة | المستشفيات والجوع: معركة لبنان ضد COVID-19 متعددة الأوجه


كما أن غرف الطوارئ امتلأت نتيجة الاكتظاظ، بل أن قسم الطوارئ بكامله لم يعد يتسع نظراً لأعداد المصابين الهائلة. هذا الكم الكبير والجنوني فاق القدرة الإستيعابية للأقسام كافة وقدرة العمل في المختبر والطواقم الصحية، وحتى الإدارات قد تعبت وأنهكت، بالإضافة إلى الإصابات بين أفرادها التي وصلت نحو 20 بالمئة.

علاوة على ذلك، يعاني القطاع الإستشفائي من النقص الحاد في الكوادر البشرية نتيجة هجرة بعضهم، علماً أن كلّ مرِيضَين في العناية الفائقة بحاجة لثلاثة أو أربعة ممرضين، مما أدى إلى ضغوطات بدنية ونفسية عليهم. ففي كثير من الأحيان يعمل الطاقم لأكثر من 24 ساعة بشكل متواصل وبدون راحة، بينما رواتبهم لا تتعدى المليون ليرة. 

إن الأزمة الإقتصادية التي تعاني منها المستشفيات جعلتها عاجزة عن فتح أقسام إضافية لمرضى كورونا، ويعود السبب الرئيسي إلى تخلف الدولة عن تسديد مستحقاتها المتراكمة والتي تجاوزت ألفيّ مليار ليرة لبنانية.

أمام هذا الواقع الهشّ، تستنزف الضائقة المادية القطاع الاستشفائي، لا سيما الخاص منه، لجهة تكلفة تجهيز أسرة جديدة في العناية الفائقة مع أجهزة التنفس الخاصة بها وما يرافقها من معدات إضافية والتي تبلغ حوالي 40 ألف دولار. أما السرير في الغرفة العادية، فلا تقل تكلفته عن 15 ألف دولار. حالياً، تؤمن 90 من بين 127 مستشفى خاصة على الأراضي اللبنانية 300 سرير عناية مركزة مخصصة للحالات الحرجة و500 سرير إقامة عادية. 

وما كان ينقص القطاع الصحي إلا زيادة هنية، إذ يكشف فواز في سياق حديثه عن مشكلة إختفاء الأدوية من الأسواق، بحيث تخضع للتفكير التجاري والربح المادي. ”شركات الدواء باتت تتحكم بصحة المواطن بعيداً عن أي حس إنساني، وبالتالي، لا تخضع للماحسبة أو لملاحقة أو للراقبة القانونية –علماً أن الدواء له دعم خاص من الدولة واعتمادات موجودة لدى المصارف لا تتأثر بسعر الصرف“.

ففي كل مرة يضع المجتمع الطبي الأمل في دواء معين لعلاج مرضى كورونا، سريعاً ما ينقطع في الصيدليات ليتبين بعدها بأيام قليلة تواجدها في السوق السوداء وبأسعار مرتفعة جداً لا قُدرة للمستشفيات على شرائها بالعملة الصعبة. الأوكسجين، على سبيل المثال، أصبح عملة نادرة في زمن الكورونا، ليصبح من يملك المال قادراً على التنفس وليموت من لا يملك الدولار.

تهافُت المواطنين لشراء أجهزة التنفس وتخزينها فاقم حدة الأزمة وأثر بشكل مباشر على إمكانيات المستشفيات، حيث اضطرت إعطاء الأوكسجين للمرضى في الطوارئ ومواقف السيارات بشكل عشوائي لتشجيعهم على البقاء في منازلهم بعيداً عن الإزدهام.

+ posts