بعد تفشي جائحة كورونا وفرض تدابير الحجر المنزلي على المقيمين في لبنان، مع ما رافق ذلك من تداعيات نفسية واجتماعية من جهة وانهيار الاقتصاد اللبناني من جهة ثانية، ما كان ينقص اللبنانيين بعد سوى عودة أزمة النفايات من جديد.

قبل أيام، وصل مطمرا برج حمود والجديدة إلى قدرتهما الاستيعابية القصوى. نفايات المتن وقسم من بيروت قد تملأ الشوارع في الايام القليلة المقبلة في مشهد شبيه بما حصل في العام 2015 بعد توقف شركتي سوكومي وسوكلين عن جمع ومعالجة النفايات بسبب اقفال مطمر الناعمة. يذكر اللبنانيون جيّدا كيف غرقت شوارع بيروت وقسم من جبل لبنان بالنفايات حينها، وحاولت السلطة بشتى الوسائل امتصاص غضب الناس وتنفيس الشارع، حتى لجأت إلى حيلة نقل النفايات من الشوارع واخفائها في الوديان ومجاري الأنهر وبين الجبال. بحيث استمرت الأزمة حتى أقرت خطة ”مؤقتة“ لمعالجة أزمة النفايات، لم تدم طويلا كالخطة المؤقتة لحل الأزمة عينها التي أقرت في العام 1997 عن طريق انشاء مطمر الناعمة.

فما هو مصير النفايات التي ستتراكم أكثر وأكثر في الأيام المقبلة؟

تناقش الحكومة ثلاث خيارات مؤقتة: أولها يقضي بتوسيع مطمر الجديدة بشكل عمودي وطمر مرفأ الصيادين لكسب مساحة اضافية، أما الخيار الثاني فيقضي بنقل كميات النفايات إلى مطمر الكوستا برافا، والخيار الثالث هو إعادة فتح مطمر الناعمة – عين درافيل.

في هذا الصدد، يؤكد نائب منطقة المتن الياس حنكش أنّ أهالي المتن لن يقبلوا بتوسيع مطمر الجديدة او برج حمود مجددا. يقول حنكش في مقابلة له مع ”بيروت توداي“ أن المطامر في منطقة المتن ”لم تكن يوما حلا مرغوبا به، بل كانت تلي تخييرنا بين الغرق في النفايات أم طمرها في مطمري برج حمود والجديدة“. لم تلتزم أية حكومة بوعود تطبيق خطة مستدامة لمعالجة هذه المشكلة، ودائما ما تعود إلى حلول مؤقتة من شأنها أن تضر بصحة الناس من خلال المطامر التي لا تلتزم الشروط الصحية، ”وهذا ما يستحيل أن نقبل به خاصة في ظل وجود الكورونا والأخطار الصحية التي تحدق بالمنطقة، فالتلوث يمعن في اضعاف جسم الانسان“ بحسب حنكش الذي يقترح على الحكومة أن تقوم بشكل مؤقت بنقل النفايات إلى المناطق الحدودية الداخلية بعيدا عن السكان وعن مياه البحر. 

في موازاة ذلك، ترفض بلدية الشويفات استقبال مطمر الكوستا برافا لمزيد من النفايات، لأن من شأن ذلك أن يخفّض قدرته الاستيعابية من سنتين إلى سنة واحدة. وقد أصدر كل من تجمع ”عرمون بلدتي“، تجمع ”شويفات مدينتنا“، حملة ”إقفال مطمر الناعمة“،  وأهالي القرى المحيطة بمطمر الناعمة- عين درافيل بيانا حذروا فيه الحكومة والأحزاب السياسية والبلديات من ”إعادة فتح مكب الناعمة، وذلك بعد ورود معطيات عديدة حول إمكانية إعادة فتحه، وبعد ما صدر عن رئيس بلدية الدكوانة أنطوان شختورة“.

أربعة أعوام مضت ولم تنفذ الدولة خطتها

منذ إقرار الخطة المؤقتة لمعالجة أزمة النفايات في العام 2016، لم تستطع الحكومة أن تطبّق أية حلول علمية مستدامة، او لم ترد بالأساس تطبيق هذه الحلول. فكما يتضّح من خلال قانون ”الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة“ (القانون رقم 80/2018) بانّ توجُّه السلطة السياسية الوحيد هو انشاء أكثر من محرقة للنفايات في لبنان، مع ما يشكّل ذلك من تهديد فعلي لحياة الناس.

وقد سبق ان كتبت زينة عبلة، عضو ائتلاف إدارة النفايات، في موقع المركز اللبناني للدراسات، تحليلا للقانون ذكرت فيه أنه اشتمل على فصول عدّة تغطّي الإطار المؤسّسي، إدارة النفايات الخطرة وغير الخطرة، تمويل استراتيجيّة وطنيّة، مبادرات محليّة لإدارة النفايات، إلى المسؤوليّات والعقوبات المتّصلة بانتهاكات قوانين إدارة النفايات. ”إلا أنّه لا يتناول بعض نواحي قطاع النفايات الصلبة، من قبيل توليد النفايات، وفصلها، ونقلها، وفرزها، واستخلاص الطاقة أو المواد منها، ومعالجتها، وتصريفها على نحوٍ متكامل. إلى ذلك، أغفل القانون تعريف الفرز من المصدر، ومنع إنتاج النفايات (الحد منها)، وإعادة الإستخدام، كما أنّه لم يحدّد أية أهداف لتشجيع إعادة التدوير. وهو لا يشير إلى مفهوم المسؤوليّة الممتدّة للمنتِج، الّذي يقدّم حوافز للأطراف الفاعلة في السوق لتعدّل خطط الإنتاج بعد انتهاء دورة حياة المُنتَج، مع توجيهها نحو التخفيض، وإعادة الاستخدام، وإعادة التدوير.“

اللافت أنّ القانون يوكل بمهمة الحدّ من توليد النفايات إلى البلديات، الا أنّ ذلك يتطلب سياسيات وبرامج تتضمن محفزات مالية لهذه البلديات، في حين أن الحكومة تعطي البلديات أموالها من الصندوق البلدي المستقل ”بالقطّارة“. وفي الوقت نفسه، يعطي القانون الحق للسلطة المركزية سلطة تجاوز البلديات في إجراءاتها وخطتها المنفذة. 

إذا، في غياب آليات واضحة لدعم البلديات والزامها اتباع الحلول البيئية لإدارة ملف النفايات، وعدم صدور أي قرارات أو مراسيم عن وزارة البيئة أو الحكومة في هذا الصدد، تؤكد الحكومة بأن القانون المقر هو مقدمة لاتباع تقنية التفكك الحراري. هذه التقنية الواردة بشكل صريح داخل القانون، تعني إمكانية انشاء محارق للنفايات في لبنان. 

تنتج عن عمليات حرق النفايات، من خلال التقنية التي تنوي الحكومة اعتمادها، العديد من المواد السامة، منها مادة ”الديوكسين“ وهي مادة مسرطنة عالية الخطورة. فدولة متقدمة مثل الدنمارك تعترف بعدم قدرتها على معالجتها، لذا تقوم بإرسالها الى النروج ليقام بطمرها في جزيرة خالية من السكان، ودون أن تتسرب الى مياه البحر. لا بد من الاشارة والتأكيد هنا الى أنّ ادارة المحارق الضخمة عملية صعبة ودقيقة وتحتاج للمتابعة، والّا فستتسبب بمخاطر صحية يصعب تداركها.

وسبق للمهندس والخبير البيئي زياد أبي شاكر أن أشار الى أن الفحوصات الدورية للرماد الناتج عن المحارق (كالتأكد من غياب مادة الديوكسين من الرماد الذي يمكن استعماله في بناء الطرقات مثلا) لا تتوفر في لبنان، لذا سيكون علينا ارسال العينات الى مختبرات خارجية بكلفة تتراوح بين 500 و2000 دولار للعيّنة الواحدة، أو تجهيز مختبر لفحص هذه المادة بكلفة حوالي مليون ونصف دولار. 

وهنا يأتي السؤال: هل سيستطيع لبنان ادارة هذه المحارق دون أي تجاوز للمعايير؟ ولمَ لا تصرف الحكومة هذه المبالغ الطائلة على خطة تعتمد الحلول العلمية البعيدة عن الطمر والحرق؟


للمشاهدة: مقابلة مع زياد أبي شاكر حول إعادة التدوير


الحل ”الصحي المؤقت“ موجود 

نشر بول أبي راشد، مؤسس جمعية الأرض – لبنان ورئيس الحركة البيئية اللبنانية، عبر صفحته على فايسبوك، أن هناك حلّا صحيا مؤقتا لـ3000 طن من نفايات بيروت وجبل لبنان يمكن أن تعالج خلال سنة، حتى تحقيق الحل المستدام، من خلال:

  • إجبار المتعهد على فرز ومعالجة ١٠٠٠ طن يوميا من النفايات العضوية من خلال تسبيخ ٧٥٠ طن في معمل الكورال و٢٥٠ طن في معمل صيدا بحسب الاتفاقية المبرمة مع بلدية بيروت.
  • تدوير ١٠٠٠ طن من الورق والكرتون والبلاستيك والمعادن والزجاج بعد فرزها.
  • طمر ١٠٠٠ طن من النفايات العضوية غير المعالجة والمرفوضات في مطمر الكوستا برافا لمدة سنة وإقفال المطمر نهائياً.

وبعد مرور هذه السنة يكون قد انتهى العمل بمركز التسبيخ الجديد بقدرة ٧٥٠ طن باليوم من النفايات العضوية وتجهيز حل بيئي لمعالجة المرفوضات مما يساهم في تقليص كمية العوادم الواجب طمرها، وتم إيجاد موقع مناسب لمطمر صحي مستدام لها.

وقد أرسل أبي راشد خطة من ١٣ صفحة لوزير البيئة في 23/4/2020 لحل أزمة النفايات ببيروت وجبل لبنان دون الحاجة لتوسيع المطامر البحرية ولا لإعادة فتح مطمر الناعمة – عين درافيل ولم يحصل على جواب بعد.

مكبات عشوائية

بالإضافة الى المطامر المعتمدة من قبل الحكومة، يوجد في لبنان أكثر من 617 مكبا عشوائيا في مختلف المناطق. لا تخضع هذه المكبات لرقابة وزارة البيئة، وقسم كبير منها يقوم بحرق النفايات في الهواء الطلق ”كأنك تتنشق موتك“ بحسب تقرير منظمة ”هيومن رايتس ووتش“ الصادر في عام 2017.

وفي هذا الاطار، إنّ الرمي العشوائي للنفايات وحرقها يسببان مخاطر جسيمة على الموارد الطبيعية، تؤدي إلى تلويثها بفعل مواد خطرة وسامة ما يرفع من احتمال إصابة سكان المناطق القريبة منها بأمراض والتهابات مزمنة قاتلة. كما أنّها تزيد من إمكانية إنتشار الأمراض المعدية (هذا ما يخيف في زمن الكورونا) وأمراض الجهاز التنفسي والحساسية. وقد أوصت دراسة صادرة عن الجامعة الأميركية في بيروت في العام 2016 بإقفال وإعادة تأهيل جميع المكبات العشوائية، ومراقبتها لتفادي التداعيات الصحّية الكارثية التي قد تنتج عنها، بالاضافة الى الحظر النهائي للحرق العشوائي.

”صفر نفايات“

يمكننا الوصول الى ”صفر نفايات“، حسب أبي شاكر، وهذا ما حصل في بيت مري، عبر الفرز من المصدر، التدوير والتسبيخ. أما العوادم فيقوم معمل بيت مري باستخدامها لصنع ألواح (eco board)  أو اعطائها للمصانع بغية دخولها في صناعة الأقفاص البلاستيكية.

وهذا ما قامت به بلدية بكفيا على النحو ذاته، التي تقوم بفرز كافة نفاياتها في معمل أُنشئ في البلدة بعد أزمة النفايات، فتقوم الشركة المشغلّة ببيع النفايات المعاد تدويرها، كما تبيع النفايات العضوية إلى مزارع تستفيد من هذه النفايات. 

 الادارة المستدامة للنفايات المنزلية تتطلب جهدا من أصحاب الشأن، ولكنها ليست عملية بالغة التعقيد أو مستحيلة. ولكن يد واحدة لا تستطيع التصفيق وحدها: بالتعاون بين الدولة والبلديات والجمعيات البيئية بالاضافة الى الأفراد، يمكن الاستفادة من النفايات وتحويلها لمورد صالح للاستخدام مجددا بدلا من سوء ادارتها التي تكلفنا الكثير ماديا وبيئيا وصحيا.