شهران من الحفر في البئر الإستكشافي في بلوك رقم 4 بالمياه اللبنانية انتهت بإحباط اللبنانيين وانحسار منسوب التفاؤل الذي زرعته السلطة يوم 25 شباط مع قدوم الحفارة Tungsten Explorer لأداء مهمتها بالإستكشاف عن الغاز والنفط في المياه اللبنانية. ذلك التفاؤل الممزوج بالأوهام وحملات التضخيم والمزايدات السياسية والذي جعل آنذاك من لبنان بلداً نفطياً، زال بين ليلة وضحاها ليحل مكانه انهيار الآمال باستكشاف ثروة نفطية تنقذ بلداً مدمراً اقتصادياً ومالياً.

خابت آمال المترقّبين دخول لبنان نادي الدول النفطية لاسيما منهم “حرّاس العهد” المهلّلين لتبنّي التيار الوطني الحر لملف النفط والغاز، ولكن السؤال هل فعلاً جاءت النتيجة النهائية للحفر في بلوك رقم 4 بهذا السوء؟ هل أن الأمل زال فعلاً بدخول لبنان الى نادي الدول النفطية مستقبلا؟ وما هي الخطة اللاحقة بعد إنتهاء الحفر في البئر الأول؟ 

هلّلوا لدخول لبنان نادي الدول النفطية مع وصول الحفارة، أوهموا الناس باستكشاف الغاز في أول بئر سيتم حفره، وإذ بنتيجة حفر البئر الأول يُصدمون باحتمال وجود غاز لكن بكميات غير تجارية، علماً ان النتيجة كانت مرجّحة خصوصاً أن أفضل التوقعات هو احتمال لا يفوق الـ25 في المئة باستكشاف الغاز بكميات وافرة، تقول مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا لوري هايتيان في حديثها الى “بيروت توداي”.

بنوا آمالهم على واقع استكشاف الغاز في حين ان طريق الغاز والنفط طريق طويلة ولا يمكن أن يتبيّن من بداية الحفر مكامن تجارية، “والنتيجة أننا كخبراء لا يجب ان ننفرد بتحذير الناس من أن كافة الإحتمالات واردة بل يجب على السياسيين أن يتعلموا كيفية إدارة التوقعات وعدم إيهام الناس بما هو غير واقعي، وليس في ملف النفط فحسب إنما أيضاً في كل الملفات كملف الأموال المنهوبة والمصارف وغيرها، يجب أن يشكل ما حصل درساً للسلطة كي تتعلم كيف تدير توقعات الملفات وتعرضها للمواطنين”.

حقيقة البئر الأول

ما حصل وفق حديث الخبير في الشؤون النفطية ربيع ياغي الى “بيروت توداي” كان نتيجة تخبّط رسمي وإعلامي بالمقاربة لملف النفط منذ بداية إعلان شركة توتال موعد الحفر. وقد جرت عراضات إعلامية سياسية أعطت إنطباعاً للناس بأن لبنان أصبح بلداً نفطياً فيما الحقيقة أن الخطوة التي جرت هي تقنية بحت تقتضي بحفر شركة توتال بئر استكشافي في البلوك رقم 4. والمقصود بالإستكشافي هو أخذ عينات من الطبقات الجيولوجية في قعر البحر لفحصها ودراستها، وهذه العملية تستغرق شهرين من الحفر وهو ما حصل فعلاً وشهرين آخرين لدراستها في المختبرات في فرنسا.

وبعد الإنتهاء من البحث ودراسة العيّنات يتم تحديد نسبة الهيدروكاربون (أي الغاز أو النفط او الاثنين معاً) المتواجدة في البحر، يوضح ياغي. وبناء عليه يُتخذ القرار بشأن الإستمرار في الحفر ببئر آخر في البلوك نفسه أو الإنتقال الى حفر بئر آخر في بلوك رقم 9، وبحسب العقد يجب حفر بئر آخر في حال عدم التوصل الى نتائج مرضية في البئر الأول.

النتيجة التقنية للحفر

(Photo: Dalati Nohra/Handout via REUTERS)

تقنياً وبعد نحو شهرين من تاريخ بداية حفر البئر “بيبلوس” في البلوك رقم 4 على عمق 4076 متر أنهت شركة توتال المشغّلة للائتلاف العالميّ المؤلّف من توتال (40 في المئة) وإيني (40 في المئة) ونوفاتيك (20 في المئة) أعمال الحفر بعد أن كانت قد عبرت البئر طبقة الأوليغو-ميوسين الجيولوجية المستهدفة بالكامل وقد لوحظت آثار للغاز ما يؤكّد، وفق تقرير شركة توتال، وجود نظام هيدروكربوني. غير أنّه لم يتمّ العثور على خزّانات في تكوين حقل “تمار” الذي شكّل الهدف الرئيسي للبئر الاستكشافيّة في المياه اللبنانية، على أن يتم إجراء دراسات لفهم النتائج وتقييم احتمالات الإستكشاف عن كثب في البلوكين العائدين للإئتلاف الذي تشغّله توتال.

ووفق وزير الطاقة ريمون غجر فإن النتائج الأولية الناجمة عن حفر البئر الاستكشافية في الرقعة 4 أثبتت وجود الغاز على أعماق مختلفة داخل الطبقات الجيولوجية التي اخترقتها البئر في المنطقة الجيولوجية المحاذية للساحل اللبناني (Basin margin area) مما يجعل من هذه المنطقة منطقة جيولوجية واعدة.

ونتيجة لوجود الغاز في هذه البئر تم التثبت من وجود العناصر الأساسية لنظام جيولوجي – بترولي في البحر اللبناني، لكنه لم يتم التحقق من وجود مكمن غازي، وحققت البئر الاستكشافية الاولى أحد الأهداف الأساسية المرسوم لها وهو التأكد من طبيعة الطبقات الجيولوجية وأوجه التشابه والاختلاف بينها وبين ما هو موجود في الحوض الشرقي مما يعزز فهم الواقع الجيولوجي لجزء من البحر اللبناني.

كما أن المعطيات والبيانات الجيولوجية والبتروفيزيائية التي تم الاستحصال عليها من هذه البئر، هي ثروة من المعلومات التي ستساهم حتماً في تعزيز فرص حصول اكتشاف تجاري في المواقع المتعددة المحددة في الرقعة 4 من قبل وزارة الطاقة والمياه وهيئة إدارة الطاقة وأكثر من 60 موقعاً محدداً على امتداد البحر اللبناني.

النتيجة مُرضية!

إذاً لم يتم العثور على مكمن للغاز (أي كميات تجارية) في البئر الإستكشافي الأول في المياه اللبنانية وفق ما كان مرجّحاً، لكن وعلى الرغم من ذلك فإن النتيجة ليست مُحبطة. فهناك دول قامت بحفر العديد من الآبار قبل أن تصل الى مكامن الغاز، وفق ياغي، ومنها من قام بحفر 7 آبار لم يتم فيها استكشاف شيء وفي البئر الثامن تم اكتشاف المكمن كما حصل في حقلي تمار ولفيتان في شرق المتوسط. ويشدد ياغي على أن السبب الأساس الذي أرسى حال الإحباط لدى الجمهور من نتيجة حفر البئر، تعود لسوء المقاربة الرسمية للملف والتي أعطت إنطباعاً خاطئاً رفعت فيه منسوب التفاؤل على الرغم من أن احتمالات التوصل الى كميات وافرة من الغاز ضئيلة جداً، إذ “لا يجب أن نتوقع من المرة الأولى أن نصيب مكمن الغاز”.

وتلتقي هايتيان مع ياغي في أن النتيجة اليوم ليست مخيّبة جداً او محبطة، خصوصاً إن أردنا أن ننطلق في مسار البحث عن النفط وهو مسار طويل وفيه الكثير من المراحل التحضيرية قبل أن نصبح بلداً منتجاً “فالنتيجة التي خرجنا بها وهي وجود كميات من الغاز غير تجارية إنما تجعلنا على بيّنة لما يمكن أن يخبئه لنا البحر”.

الخطوة المقبلة

وبما ان المحاولة الأولى لم تنجح وإن كانت تضمر بعض الآمال، فلنذهب الى المحاولة الثانية، يقول ياغي، ليست نهاية العالم أن تكون النتائج سلبية إذ أن شركة توتال ستنتقل لاحقاً الى البلوك رقم 9 الواعد، والذي تم تأجيل الحفر فيه لاسباب سياسية إذ يجب أن تسبقه عملية ترسيم حدود بين لبنان وشمال فلسطين.

وتستمر فترة إجراء الدراسات على نتائج البلوك رقم 4 لشهرين، قبل اتخاذ القرار بشأن الحفر في البلوك رقم 9، وفي جميع الأحوال فإن الدراسات التي ستُجرى خلال الشهرين المقبلين ستجعل الشركات على معرفة أكثر برحلة الحفر في البلوك 9 كما أن البلوك 9 من المحتمل أن تكون نتائجه مشابهة للبلوك 4، تقول هايتيان، “بالنتيجة يجب أن يستمر البحث الى حين التوصل الى مكمن للغاز” وإن كانت المحطات في هذا الملف بطيئة، ومن غير الواضح ما ستكون عليه نتائج جولة التراخيص إن إيجابية أم لا، إذ من المرجح أن يكون هناك تأخير نظراً لكون الجولة ترتبط بالدول الأجنبية وليس فقط بلبنان. وتشدد هايتيان على أنه “يجب أن نعي أن لبنان لن يصبح قريباً دولة نفطية وهذا المشروع لم يتوقف لكنه سيتباطأ بحكم الظروف”.

ومن المنتظر أن تنتهي فترة الإستكشاف الأولى الممتدة على مدى 3 سنوات في شهر أيار من العام 2021 وذلك بموجب اتفاقيتي الاستكشاف والانتاج العائدتين لهاتين الرقعتين إذ يتوجب على الشركات صاحبة الحقوق البترولية حفر بئر استكشافية واحدة في كل رقعة من الرقعتين 4 و9 خلال هذه المدة.