Image Credits: L'Orient Today

 التحول نحو لامركزية الطاقة في الشرق الأوسط: الطاقة الشمسية كضرورة اقتصادية واجتماعية

لعقود طويلة، اعتمدت دول الشرق الأوسط على نموذج الشبكات المركزية الكبرى لإنتاج وتوزيع الطاقة، وهو نموذج ارتبط بقوة بمفهوم “الدولة الراعية”. في هذا النظام، كانت الحكومات تتحمل التكلفة الأكبر لدعم أسعار الكهرباء، مما أدى بمرور الوقت إلى إرهاق الميزانيات وتراكم الديون. ولكن مع التغيرات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة، تواجه هذه الشبكات تحديات هيكلية غير مسبوقة. من العراق إلى بعض دول شمال أفريقيا، نشهد تراجعاً في قدرة البنية التحتية التقليدية على تلبية الطلب المتزايد والمتسارع، مما دفع المواطنين والشركات في المنطقة للبحث عن حلول بديلة ومستدامة تضمن لهم الاستمرارية.

في ظل هذا التراجع في كفاءة قطاع الطاقة التقليدي، لم يعد الحديث عن “الابتكار الأخضر” و”الطاقة المتجددة” في منطقتنا مجرد توجه بيئي عالمي لتقليل البصمة الكربونية، بل تحول إلى ضرورة اقتصادية واجتماعية ملحة. الأفراد والمؤسسات، بدءاً من المنازل وصولاً إلى المصانع، يتجهون نحو الألواح الشمسية ليس بالضرورة لإنقاذ الكوكب من التغير المناخي، بل بالأساس لضمان استمرارية أعمالهم وتأمين احتياجات عائلاتهم في مواجهة الانقطاعات المتكررة للتيار، وحماية أنفسهم من التقلبات الحادة في أسعار الوقود.

لبنان: مختبر حي للانتقال نحو اللامركزية

إذا أردنا أن نفهم مستقبل اقتصاديات الطاقة في ظل التحديات الهيكلية المتزايدة، فإن لبنان يقدم نموذجاً دراسياً بالغ الأهمية وعميق الدلالة. فمع تراجع القدرة التشغيلية للشبكة الوطنية للكهرباء بشكل حاد، اضطر المواطن اللبناني لسنوات طويلة إلى الاعتماد المفرط على المولدات الخاصة التي تعمل بالديزل. هذا الخيار البديل شكل عبئاً ثقيلاً على ميزانية الأسر، واستنزف جزءاً كبيراً من النقد الأجنبي للاقتصاد الوطني لاستيراد الوقود، وأثر بشكل مباشر على تنافسية الشركات الصغيرة والمتوسطة التي وجدت نفسها تنفق جزءاً كبيراً من أرباحها لمجرد تأمين الإنارة والتشغيل.

ولكن المشهد شهد تحولاً اقتصادياً عميقاً وإيجابياً في السنتين الأخيرتين. لقد تحولت أسطح المنازل، المدارس، المستشفيات، والمصانع في مختلف المناطق اللبنانية إلى محطات صغيرة لتوليد الطاقة الشمسية. هذا التحول السريع والمبهر لم يأتِ نتيجة استراتيجيات حكومية مركزية، بل كان استجابة اقتصادية وعملية من المجتمع للتكيف مع الأزمة وتجاوزها بمرونة. لقد تمكن القطاع الزراعي، على سبيل المثال، من الاستمرار في ضخ المياه للري عبر الاعتماد على المضخات الشمسية، مما أنقذ موسماً زراعياً كان مهدداً بالتعثر.

من منظور اقتصاديات الطاقة، ما نشهده في لبنان هو إعادة رسم لخريطة استهلاك وإنتاج الكهرباء من خلال التحول من الإنفاق التشغيلي المستمر (OPEX) لشراء الديزل، إلى الإنفاق الرأسمالي (CAPEX) للاستثمار في أنظمة شمسية تدوم لسنوات. المواطن الذي ينتج طاقته بنفسه ويخزنها باستخدام البطاريات الحديثة، ينجح في تنويع مصادر طاقته، ويقلل من اعتماده على الخيارات التقليدية المكلفة، محققاً بذلك قدراً من الاستقرار المالي الملموس. هذا الاستقرار المالي على مستوى الأفراد والشركات ينعكس تدريجياً على الاقتصاد الكلي بمزيد من المرونة في مواجهة الصدمات.

رؤية مستقبلية لاقتصادات المنطقة وضرورة التكيف

إن الانتشار الواسع والمستمر لأنظمة الطاقة الشمسية في بيروت وباقي المدن اللبنانية يقدم درساً اقتصادياً قيماً لجميع دول الشرق الأوسط: أمن الطاقة في المستقبل المنظور لن يعتمد حصراً على المشاريع المركزية الضخمة ذات التكلفة العالية، بل سيرتكز بشكل متزايد على “لامركزية الطاقة” والمرونة المجتمعية. المستقبل يتجه نحو شبكات ذكية تسمح بتبادل الطاقة المنتجة محلياً وتخفيف الضغط عن الشبكات الوطنية.

بناءً على ذلك، يجب على صناع القرار، المؤسسات المالية، والاقتصاديين في المنطقة التوقف عن النظر إلى هذا التوجه المجتمعي كحالة طوارئ مؤقتة، بل كفرصة استراتيجية لتطوير بنية تحتية مستدامة. من الضروري العمل الفوري على بناء سياسات مالية محفزة تدعم استيراد تكنولوجيا التخزين الفعالة، وتسهل الوصول إلى التمويل الأخضر المصغر (Micro-Green Finance) للفئات الأقل دخلاً، وتطوير تشريعات تنظيمية تسمح بدمج هذه الأنظمة.

في الختام، إن مسار انتقال الطاقة المستدام في الشرق الأوسط يتبلور اليوم من خلال مبادرات الأفراد والشركات، بعيداً عن التعقيدات التقليدية. هذا النموذج الصاعد يؤسس لنموذج اقتصادي أكثر مرونة، كفاءة، وقدرة على تحقيق استقرار حقيقي يلامس حياة الناس اليومية، ويمهد الطريق لمستقبل أكثر إشراقاً لاقتصادات المنطقة.

آرين غلامي

باحث وخبير في اقتصاديات الطاقة، كاتب، ومراجع علمي للمجلات الأكاديمية الدولية. وهو عضو منتسب في منتدى البحوث الاقتصادية 

ERF) ) وعضو في مجموعة بحثية في جامعة الملك عبدالعزيز في المملكة العربية السعودية. تتركز أبحاثه على الجيوسياسية لانتقال الطاقة، الابتكار الأخضر، واقتصاديات الطاقة اللامركزية في الاقتصادات النامية.

ERF: https://theforum.erf.org.eg/affiliates/arian-gholami/

Researchgate: https://www.researchgate.net/profile/Arian-Gholami