Michel Hallak/L'Orient-Le Jour

لبنانيون يعانون من “رهاب الزلازل”… العلاج سهل والإهمال خطير 

سبّب الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا في 6 شباط (فبراير) الحالي صدمة جماعية للمنطقة أصابت المجتمع اللبناني بهلع كبير نتيجة عوامل عدة، وسط حديث عن احتمال أن يضرب لبنان زلزالاً كونه واقعاً على خط زلازل لا أحد يعرف متى يحصل، فهذه الأسباب أدت إلى الشعور بالخوف والفزع والقلق والاكتئاب وغيرها من الحالات النفسية. 

صحيح أن اللبنانيين نجوا من ارتدادات الزلزال، وشعروا بهزات أرضية من دون أضرار مادية، لكن نفسياً، الأضرار كانت جسيمة، فمنذ لحظة وقوع الكارثة وهم يعيشون في حالة رعب وعدم استقرار وسط شائعات كثيرة، وعادت للذاكرة الذكريات الأليمة لانفجار مرفأ بيروت في 4 آب (أغسطس) 2020. 

ومع انتشار الصور والفيديوهات المتعلقة بالزلزال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الأخبار والروايات التي تتحدث عن معجزات النجاة للعالقين تحت الانقاض، فإن العديد من الأشخاص يصلون إلى نقطة الإرهاق وقد يشعرون بالقلق والاكتئاب والوسواس والصدمة. 

 التوتر والهلع  

ولكن قد تتراجع الأعراض تدريجياً مع مرور الوقت والتأقلم مع الحدث المسبب لها، إلا أن هناك أشخاصاً لا يستطيعون التأقلم مع الوضع، فلا يزال التوتر والهلع مستمراً ما يسبب أحياناً الاكتئاب الدائم والخوف المستمر من المستقبل  أو ما يعرف بـ”رهاب الزلازل”. 

وقد يتغيّر سلوك الأشخاص بعد الزلزال، ويمكن أن يصبحوا أقل اجتماعيين وأكثر انطوائيين، ويمكن أن ينقص اهتمامهم بالنشاطات والأشياء التي كانوا يتمتعون بها سابقاً. 

ويختلف التعامل مع الزلازل وفقاً لطبيعة الشخص، فهناك أشخاص عاصروا زلزالاً كبيراً سابقاً، وآخرون لا يكترثون للأمر ويكملون حياتهم بشكل طبيعي، فيما هناك شريحة كبيرة أصيبت بالهلع وباتت تحتاج إلى معالج نفسي. 

يمكن أن يكون العلاج النفسي مفيداً في علاج معظم المشكلات الصحية النفسية، خصوصاً أنه لم يعد “تابو”، وبات منذ العام 2019 مقصداً للبنانيين في جميع شرائحهم وطبقاتهم ومناطقهم، ومستواهم الاجتماعي والاقتصادي.  

 وسائل علاجية 

رئيسة قسم العلاج النفسجسدي التكاملي في المركز اللبناني للعلوم النفسية والاجتماعية “نفسانيون” المعالجة النفسية الدكتورة مارلين الحداد رأت أن “هناك وسائل علاجية عدة بينها العلاج النفسي لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة”. 

وعددت  عوارض الوسواس القهري أو رهاب الزلازل أو PTSD “اضطراب ما بعد الصدمة”، فقالت: ” لا نتكلم عن هذه الحالات إلا بعد مرور أكثر من شهر على الحدث، ويحس الشخص بالعوارض كأنها المرة الأولى، ويترافق هذا الأمر مع أحلام تعيد التروما، بالإضافة إلى عوارض جسدية كدقات قلب متسارعة، عدم انتظام النوم، ضيق بالنفس، وسلس بولي، أو الشعور بدوخة، أو أوجاع في الرأس والمعدة أو تقلصات في الساق أو رجفان في الجسم”، بحسب دراسة حديثة أجراها فريق “نفسانيون”.  

وأوضحت أن “الانفعالات الجسدية طبيعية في حالات الزلازل أو أي خطر محدق وقد تختفي بعد ساعات، ولكن ممكن أن تستمر هذه العوارض”، مشددة على أنه لا “يمكن الحديث عن اضطراب ما بعد الصدمة إلا بعد مرور أكثر من شهر على الفعل الصادم كالزلزال ولا تزول العوارض من تلقاء ذاتها، وقد تستحضر في اليقظة كأنها المرة الأولى وتستمر إلى أشهر عدة وتترافق مع أحلام متكررة”. 

وعن الوسواس القهري بشكل عام، شرحت الحداد أن “هناك أفكاراً متكررة وتفرض نفسها بشكل قهري على الإنسان، الدماغ يكرر فكرة حين تكون كمية الإثارة المتصلة بها كبيرة، والدماغ  يكررها مرة ثانية من أجل السيطرة، ويكون الهدف جيداً لخدمة بقاء الإنسان وحماية الوحدة الجسدية، ولكن حين يعلق التكرار القهري في الدماغ لمدة أكثر من شهر نكون بحاجة إلى مساعدة شخص آخر للتخلص من هذا الوسواس”. 

وفجر 6 (فبراير) شباط الجاري ضرب زلزال جنوب تركيا وشمال سوريا بلغت قوته 7.7 درجات، أعقبه آخر بعد ساعات بقوة 7.6 درجات ومئات الهزات الارتدادية العنيفة، ما خلف خسائر كبيرة بالأرواح والممتلكات في البلدين. 

 هواجس 

وذكّرت الحداد بأن “الأجيال السابقة كانت تعيش وسط هواجس عدة أو أخطار محدقة، منها الزلازل، فتهرب من أماكن وجودها إلى أماكن أكثر أماناً، حيث الاستقرار والمياه والعناصر الطبيعية الهادئة”، وأوضحت أن الأجيال الحالية لم تعد تتأقلم مع الأوضاع، وتبتعد عن مواجهة السلبيات، مشيرة إلى أن “الحياة تتكامل فيها طاقة الحب والطاقة العدائية لذلك يجب التأقلم مع جميع جوانب الحياة والاستعداد لكل شيء لذلك هناك أشخاص مرنون أكثر من الآخرين لحماية أنفسهم”. 

ونصحت الذي يعاني من اضطراب بعد الزلزال بالابتعاد قدر المستطاع عن مشاهد تذكره بالحدث ويفكر بشخص يثق به لكي يعبّر له ما يشعر به، أي تحويل كمية الإثارة إلى كلام أو فعل، لافتة إلى أن بقاء الطاقة التي يشعر بها الشخص في داخله تتحوّل إلى أمراض أو لعوارض جسدية. 

 خوف الأطفال 

وعن شعور الأطفال بحالة هلع أو خوف بعد الزلزال، دعت الحداد الأهالي إلى لجوء أطفالهم إلى الرسم مع أشخاص يثقون بهم، أو تبادل الأحاديث معهم، أو إقامة أنشطة رياضية خفيفة خارج المنزل لتصريف كمية الإثارة في جسدهم لكي لا تتحوّل مع الوقت إلى عوارض حقيقية. 

وقالت: “عندما يقرأ الدماغ تغييراً في المحيط على أنه خطر ما يرتفع مستوى القلق بشكل كبير ويرافقه ردات فعل جسدية بسبب إفراز هرمون أدرينالين الذي يدفع الجسم إلى التحرك بسرعة، وهذا ما يؤدي إلى الهجوم أو الهروب بهدف حماية الوحدة النفسجسدية ولكي يبقى الإنسان حياً”. 

وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إن أكثر من سبعة ملايين طفل تضرروا من جراء الزلازل المزدوجة الهائلة في تركيا وسوريا.