بدأ السجال الصحافي يشق طريقه نحو منحى يعكس الصراع السياسي في لبنان بين نقابة تريد المحافظة على مكتسباتها وتمثل أحزاب السلطة وبين تجمع انبثق مع ثورة 17 تشرين الأول 2019 ويسعى إلى التغيير.

ووصل الصراع بين النقابة و”بديلتها” إلى القضاء الذي كسر محاولة “كم الأفواه”، فرد القاضي المنفرد المدني الياس صلاح مخيبر الناظر في قضايا الأمور المستعجلة، طلب نقابة محرري الصحافة اللبنانية بمنع تجمع “نقابة الصحافة البديلة” من القيام بأي نشاط تحت طائلة غرامة إكراهية قدرها 100 مليون ليرة عن كلّ مخالفة.

وكانت نقابة المحررين تقدّمت بطلب إلى قاضي الأمور المستعجلة في بعبدا لمنع “تجمّع نقابة الصحافة البديلة” من ممارسة أي نشاط عبر كافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والإلكترونية، ومنعه خصوصاً من نشر أيّ أخبار أو بيانات أو مقالات من أي نوع.

طعن قبيس

ويأتي هذا الطلب بعد الطعن الذي تقدّمت به المرشحة عن تجمّع “نقابة الصحافة البديلة” إليسار قبيسي بنتائج الانتخابات، التي جرت في الأول من كانون الأول الحالي، بعد توثيق عشر مخالفات خلال العملية الانتخابية. ومن أهمّ المخالفات المدلى بها في هذا الطعن، تهديد قبيسي عند مطالبتها بحقوقها رسمياً بملاحقتها نقابياً ومسلكياً وجزائياً في حال خوض أي مغامرة قضائية ووجود تنسيب غير قانوني إلى النقابة. 

وفي تعليقها على قرار القاضي مخيبر أكدت قبيسي لـ”بيروت توداي” أن هذا القرار نموذجي يثبت أنه لايزال هناك قضاء مستقل ويدرك تماما ماذا يعني حريات، خصوصاً الحرية الاعلامية”، وقالت: “الملفت بالموضوع أنه بالوقت الذي تقدمت نقابة المحررين بدعوى لكم الأفواه واسكات الصحفيين صدر القرار المنصف لصون الحريات بما يقره الدستور والإتفاقيات الموقع عليها لبنان”.

وشددت قبيسي على أن “القرار انصف تجمع “نقابة الصحافة البديلة”، وهذا دليل على وجود قضاة يستطيعون أن يصدروا أحكاماً نموذجية تحقق العدالة”.

استئناف القرار

وفيما لم تعلّق نقابة “المحررين” على القرار، كشف مصدر  من النقابة لـ”بيروت توداي” أن محامي نقابة محرري الصحافة اللبنانية سيتابع الإجراءات القضائية وسيستأنف القرار، والنقابة ستحتكم إلى القضاء 

ورفض المصدر “اتهام النقابة بمحاولة كم الأفواه وهذه التهمة مردودة لأصحابها لأننا ضنينون على حرية التعبير وحرية الاعلام، وما نحاول أن نقوم به هو منع استخدام كلمة نقابة لأن هذا التجمع لم يحصل على تصريح لإنشاء جمعية أو تجمع أو نادي من قبل وزارة الداخلية فيما يستخدم كلمة نقابة”.

وقال: “نحن كنقابة ندافع عن حقنا ونحن نريد المحافظة على وضعنا القانوني ونمثل الصحافيين ومصالحهم، وسننتظر الإجراءات القانونية التي يقوم بها محامي النقابة”.

الشرعية

“شرعيتنا نكتسبها من العمل الذي نقوم به دفاعاً عن الصحافيين والإعلاميين ودفاعاً عن العاملات والعاملين في قطاع الاعلام، ودفاعاً عن الصحافيين ضد الانتهاكات الجسدية وضد الصرف التعسفي”… قالت قبيسي التي أكدت أنه من المفترض أن تقوم نقابة المحررين بدورنا إلا أنها تمارس سياسة “كم الأفواه “، وهذه بداية عهد غير مشجعة لمجلس نقابة جديد يعطي صورة واضحة عن الأداء القمعي الذي سيقوم به.

وعلّقت قبيسي على الاستئناف التي ستتقدم به نقابة المحررين بالقول: “نحن تقدمنا بدعوى وسنستمر بها”، وجددت التأكيد أن ما تقوم به نقابة المحررين هو عملية “كم للأفواه” و”تقييد للحريات”.

حيثيات القرار

واستند القاضي مخيبر في قراره على العهود والمواثيق الدولية التي انضمّ إليها لبنان ومقدّمة الدستور اللبناني والمادة 13 منه التي أكّدت جميعها على ضرورة احترام الحريات العامة وحمايتها. وقد اعتبر مخيبر في هذا الصدد أنّ “الحق في حرية الرأي والتعبير يُشكّل إحدى الدعائم الجوهرية للمجتمع الديمقراطي، ويلعب دورًا مفصليًا في حماية حقوق المواطن وصيانة الديمقراطية وحكم القانون وتطور المجتمع وإصلاحه”. 

وربط مخيبر الحق بحرية التجمّع السلمي بالحقّ بحرية الرأي والتعبير، معتبراً الارتباط بينهما وثيقًا. واستند إلى المادة 21 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أن “يكون الحق في التجمع السلمي معترفا به. ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقا للقانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديموقراطي…”.

وأعاد القاضي مخيبر التأكيد على مبدأ التناسب، أي أنّ القضاء المُستعجل لا يأخذ تدابير تحدّ من الحريات أو تؤدي إلى إعمال رقابة مسبقة على حرية النشر إلا استثنائيًا، وفقط متى ثبت تجاوز حق المحافظة على سمعة الفرد حق الإعلام والاستعلام، ورأى أنّ طلب نقابة المُحرّرين لم يتضمّن ما يُثبت أي إساءة من تجمع “نقابة الصحافة البديلة” أو مسّ بأيّ من حقوقها المحمية قانون وأن الضرر المثار منها بقي ضررا احتماليا.

تجمع “نقابة الصحافة البديلة”

وأعلن تجمع “نقابة الصحافة البديلة” عن تسجيل “الحريات العامة وحرية التعبير انتصاراً في وجه ممارسات القمع الممنهجة من السلطة وأدواتها السياسية والأمنية والنقابية”. 

ورأى، في بيان، أن “هذا الإنتصار الذي سجلّه الصحافيون في لبنان ليس انتصاراً لتجمع نقابة الصحافة البديلة بقدر ما أنه انتصار للكلمة الحرة، كما أنه انتصار بالمعركة المفتوحة لتحرير التمثيل الاعلامي من سيطرة السلطة وانتصار القضاء للحق بحرية الرأي والتعبير فيما نقابة المحررين تناست دورها وسعت للاعتداء على الحق بحرية الرأي والتعبير”.

+ posts