(Photo: Hussein Kassir / Alamy Stock)

خريف عاشر يعيشه النازحون السوريون خارج بلدهم، تاركين منازلهم وأرزاقهم هرباً من حرب عبثية لا تميّز بين رجل وإمرأة أو طفل وعجوز، فاختاروا قسراً مناطق أو بلداناً أكثر أمانا أو أقل خطراً منها لبنان.  

وبلغ عدد النازحين السوريين المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان 865,331 بآخر إحصاء، في وقت يقدّر عددهم بشكل غير رسمي بنحو 1.5 مليون نازح.

ويحتاج معظم النازحين إلى المأوى والعمل والغذاء والمياه والنظافة والتعليم، فيما يئن لبنان من أزمة إقتصادية لم يشهدها في تاريخه وسط جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت وأزمة سياسية عاصفة.

وفيما يقيم معظم النازحين في لبنان في شقق أو منازل ثابتة، يعيش نحو 20 إلى 30 في المئة (ارقام غير رسمية) في مخيمات في ظل ظروف مناخية قاسية، حيث تتركز معظم هذه المخيمات في مناطق تعتبر باردة نسبياً في البقاع وعكار، فكيف تستعد هذه المخيمات لمواجهة الشتاء المقبل وما هي التحضيرات لحماية قاطنيها من البرد القارس؟

تغطية الاحتياجات

المنسق الميداني في جمعية “سوا” للإغاثة والتنمية، مشعل حمود، قال لـ”بيروت توداي”: “قبل 2019 كانت المخيمات تستطيع تغطية الاحتياجات الشتوية نتيجة المدخرات أو الإنتاج والموارد الخاصة بها، بالإضافة إلى المساعدات الأممية والتقديمات للمنظمات الدولية والمحلية”.

أما اليوم، بحسب حمود، فلبنان “يعاني من جائحة كورونا وأزمة اقتصادية وتدهور أمني وندرة المواد، فأصبح من الصعب تأمين الحد الأدنى من احتياجات المخيمات”.

ويواجه النازحون السوريون في مخيمات البقاع وعكار أوضاعاً إنسانية صعبة، بسبب النقص في مواد التدفئة والمعونات الغذائية.

مخيم “الدلهمية”

وللإطلاع أكثر على واقع المخيمات، اختار موقع “بيروت توداي” مخيم “الدلهمية” في منطقة بر الياس البقاعية ويتكون من 76 خيمة يقطنها نحو 83 عائلة، ويبلغ عدد الأفراد الكلي نحو 350 نازحاً، وتم ترميمه في العام 2017 .

وبر الياس هي مدينة تقع في قضاء زحلة، محافظة البقاع، ويمكن الوصول إليها بسهولة من جميع الاتجاهات وفي وسط وادي البقاع، حيث ترتفع 900 متر فوق مستوى سطح البحر، وتبعد 51  كم من بيروت عبر طريق دمشق – شتورة.

وفي خريف وشتاء الماضيين، كان مخيم “الدلهمية” يفتقر إلى “شوادر” توضع  فوق الخيم للحماية من المطر والحر، وهناك عائلات كثيرة عانت الكثير في فصلي الشتاء والخريف الماضيين،  فتدخلت المنظمات الدولية والمحلية للمساعدة منها  جمعية “سوا” في منتصف فصل الشتاء.

تأمين الشوادر والحطب

و”سوا” مبادرة انطلقت في العام 2011 تضم متطوعين من الشابات والشبان من جنسيات عدة، وتعمل في إطار اغاثة النازحين السوريين وتعليمهم وحمايتهم، بالإضافة إلى القيام بالأبحاث ومتابعة قضايا تهم النازحين.

وقال حمود: “لتدارك الموضوع هذا العام، بدأت المنظمات الدولية والمحلية العمل على تجهيز المخيم خلال الشتاء عبر تأمين الشوادر والحطب، مع استبعاد المازوت نظراً لارتفاع اسعاره، وفي تشرين الأول الماضي، جرت مبادرة لتثبيت دعائم الخيم، ووضع شوادر لها وفقاً للإحتياجات الضرورية لكل خيمة من أجل تحسينها”.

وأكد أن الوضع الإقتصادي في التجمعات أو المخيمات صعب جداً بسبب جائحة كورونا والأزمة الإقتصادية التي يعاني منها البلد بالإضافة إلى ندرة المواد الضرورية في الأسواق المحلية في لبنان، وسط ارتفاع سعر تنكة البنزين التي أصبحت بحدود ثلاثمائة ألف ليرة لبنانية.

ولاحظ أن اللبنانيين والسوريين يدركون جيداً ما يعاني منه لبنان وما ينعكس سلباً على المجتمعين المضيف والضيف، معتبراً أن ارتفاع سعر صفيحة المازوت سيسبب عائقاً أمام الأهل.

 وإذ كشف حمود عن وجود اجتماعات عدة تجرى، بالإضافة الى جهود محلية لمعالجة النواقص وتأمين الخدمات، أشار إلى أن 80 في المئة من أهالي بر الياس هم بحاجة الى مساعدة، كاشفاً أن هناك 40 ألف نازح سوري في المنطقة .

ويعيش النازحون في ظل أدنى مقومات الحماية من البرد والتجهيزات الطبية في المخيمات التي لا تزال بدائية إلى حد بعيد.

معاناة النازحين

أما مدير مركز “وصول” لحقوق الإنسان، محمد حسن،  فأكد لـ”بيروت توداي” أن معاناة النازحين لا تنحصر في الشتاء، إلّا أنه أشد قسوة من باقي الفصول، ومع شح المساعدات العينية بسبب ارتفاع تكاليف ترميم وبناء الخيم لدى مخيمات اللجوء، وتدفئة المنازل المؤقتة للنازحين ومخيمات اللجوء، لا يوجد لدى النازحين سوى التحمّل على حساب عدم إيجاد خطط دقيقة لدى مفوضية اللاجئين عند إطلاق نداءاتها السنوية

ومركز “وصول” لحقوق الإنسان هو جمعية حقوقية غير ربحية وغير حكومية مقرّه بيروت وباريس تأسس عام 2017، ويعمل بشكل متخصص في مراقبة حالة حقوق الإنسان للاجئين، وينشر إصدارات دورية حول قضايا الانتهاكات الجماعية بهدف التوعية والمناصرة الدولية بغرض ضمان حق الكرامة الإنسانية في بلدان اللجوء لحين عودتهم الطوعية والكريمة والآمنة إلى بلدهم الأصلي.

وأكد حسن أن “تدهور الأوضاع الاقتصادية في لبنان يؤدي حتمًا إلى تدهور أحوال اللاجئين وتفاقم أزماتهم المعيشية”، مشيراً إلى أن “ما يقارب ٣٠ في المئة فقط من اللاجئين يتم تقديم مساعدات لا تتجاوز مع التضخم الحالي مصروف أيام قليلة لكل عائلة”.

ويختم: “لا بد من أن مفوضية اللاجئين استطاعت توفير جزء يسير من إجمالي موازناتها السنوية بسبب جائحة كوفد-19 والعمل عن بعد، وبهذا يجب عليها وضع خطّة جدّية لإنقاذ اللاجئين في المنازل المؤقّتة ومخيمات اللجوء”.

يرى البعض أن النازحين السوريين باتوا عبئاً ثقيلاً على لبنان، في المقابل هناك من يبذل المزيد من الجهد لدعمهم وحمايتهم وتقديم الخدمات لهم تمهيداً لعودتهم الآمنة إلى وطنهم من دون تعريضهم لأي خطر أو ممارسة أي ضغط عليهم.

+ posts