احتفل من يريد أن يحتفل في 2020 بذكرى مائة عام على إنشاء لبنان الكبير، هذا الكيان الهجين الذي ركّبَه الفرنسيين برضى القوى الاقليمية والدولية، من ولايات وجبل ومِلَل وطوائف لم يكن يجمع فيما بينها الكثير إلّا تاريخ مشترك من الاستعمارات وهيمنة الأمراء والسلاطين وزعماء الطوائف.

وبذل العديد من الحكام والزعماء وأصحاب رؤوس الأموال والمفكرين وغيرهم جهداً كبيراً لبناء هوية ودعائم “الكيان اللبناني” على مدى 100 عام، بعضهم عن اقتناع بفرادة وأهمية “وطن الرسالة في المشرق”، وبعضهم لغايات شخصية بالهيمنة وتعزيز سطوتهم العسكرية أو المالية أو المذهبية على أتباعهم، عبر الدفع بقومية محلّية ضيقة على حساب اندماج أوسع بقوميات اقليمية أو عابرة للدول. 

ولكن بعد مائة عام ماذا تبقّى من هذا الـ”لبنان”؟ وهل كان هنالك فعلاً لبناناً ليبقى منه أي شيء؟

كتب التاريخ والأغاني والأفلام وأطباق الحمّص والكنافة لم تنجح في إخفاء حقيقة قاتلة: أن الكيان اللبناني الذي نتحدث عنه، كجمهورية ديمقراطية لديها قوانين مُطبّقة وإرث حضاري وانتماء هويّاتي مشترك، لم يكن فعلاً موجوداً الّا في الأوهام. 

فلا النظام السياسي الطائفي سمح بتكوين نظام يوحّد بين حاملي الهوية اللبنانية. بل على العكس، رسّخت قوانين الانتخابات والأحوال الشخصية والتعيينات الطائفية القسمة بين الناس وزادت من التصاقهم بزعاماتهم الطائفية والمحلية.

ولا النظام الاقتصادي مكّن المواطنين اللبنانيين من تحقيق تنمية ورفاه لهم ولعائلاتهم، عبر خلق بيئة تتساوى فيها الفرص وتقلّل من الفوارق الاجتماعية. بل على العكس، ما يسمى ب”الاقتصاد اللبناني الحر” كان ولا يزال واجهة كاذبة لهيمنة الكارتيلات وشبكات المصالح على كامل الاقتصاد المحلي، مما عمّق الفجوة الاجتماعية بين اللبنانيين ومحى الطبقة الوسطى وكرّس هيمنة الاقطاع المالي والأثرياء الجدد. 

وحتى في فترات النمو والازدهار التي عاشتها الأراضي اللبنانية، فهي كانت إمّا مرتبطة بتدفق أموال مهاجرين اليها إثر النكبة الفلسطينية والانقلابات في البلاد العربية، أو معتمدة على أموال البترودولار وأموال معظمها ديون لإعادة الإعمار إثر حروب تدميرية.

ولم تُبنى فعلا دولة بجهاز رسمي متمكّن وسياسة عامة فعّالة واحترام من المواطنين، ما خلا بعض التجارب في الخمسينات والستينات وبداية التسعينات، فتركّزت أجهزة الدولة وخدماتها في بيروت الكبرى وبعض المدن الأساسية، وأُهملت الأرياف والأطراف حيث صادرت قوى أمر الواقع دور الدولة، وأصبح الفساد والتهرّب الضريبي وعدم احترام القوانين معمّماً.

حتى في قطاعات نتغنّى فيها ب”الفرادة اللبنانية” كالثقافة والتعليم والطبابة، تكرّس فيها التسليع في خدماتها والتركّز في إداراتها وإقصاء ذوي الدخل المتوسط والمحدود عنها، بدل أن تكون قطاعات يلتقي ويتفاعل ويزدهر فيها الجميع بغض النظر عن معتقداتهم وانتماءاتهم وإمكاناتهم الاقتصادية.

وما هو هذا الوطن الذي تندلع فيه حروب أهلية واقتتالات داخلية كل عشرين أو ثلاثين سنة؟ وما هو هذا الوطن الذي تجاهر أحزابه الأساسية بانتمائها الى دول ومحاور خارجه، ضاربة عرض الحائط بأي ضرورة لإجماع أو حتى تفاهمات وطنية؟ وما هو هذا الوطن الذي يتفشّى فيه العنف بكل أشكاله والاضطهاد المنظّم للمرأة وللعاملات والعمال الأجانب ولأي إنسان يختلف عن “اللبناني الصميم” بميوله الدينية أو الجنسية أو الثقافية؟ 

“هاي بلد، لأ مش بلد، هاي قرطة عالم مجموعين…” على ما قال زياد الرحباني في إحدى أغنياته الشهيرة.  

في 2020، مع انهيار النظام المالي والاقتصادي اللبناني، واختفاء ما تبقّى لدور للدولة في حفظ الأمن وضمان الحريات الأساسية، وهيمنة الولاء لمشاريع وأولويات المحاور الاقليمية والدولية، وعودة خطابات التقسيم والقوميات المحلية، يكون لبنان الكبير انتهى قبل أن يتكوّن فعلياً. ويجب علينا الاقرار بنهاية هذا الكيان لنستطيع فعلياً بناء كيان آخر، وطن أفضل نستحقّه ويستحقّه أبناءنا وجميع من ضحّوا في سبيل أن يكون لنا حياة أفضل في هذه البقعة من الأرض.

مات لبنان…عاش لبنان جديد.

لبنان جديد مبني على ما يجعلنا فعلياً لبنانيين: محبّين لبعضنا وللحياة (كل الحياة)، منفتحين ومحترمين للغير مهما كانوا مختلفين، عاطفيين انفعاليين ولكن سلميين نحكّم لغة الحوار والتواصل على العنف وإلغاء الآخر. علمانيين نفصل الدين عن النظام السياسي للدولة.

تنمويين نطبّق العدالة الاجتماعية والمناطقية ونكرّس تكافؤ الفرص، نبني اقتصاداً مستداماً يسمح لنا وللأجيال القادمة بالعيش والازدهار في هذه الأرض الجميلة.