ليست مخاطر فيروس كورونا وحدها ما أفقد اللبنانيين طعم الأعياد، فالعوامل السالبة اجتمعت على مائدتهم هذا العام ولم تترك لهم منفذاً، وتأتي المخاوف من طفرة ثانية لجائحة COVID-19 لتُضاف إلى مآسي آلاف العائلات اللبنانية التي خلّفها انفجار مرفأ بيروت في 4 آب، أما الأزمة الإقتصادية في لبنان فقد غطت على كل ما عداها من أزمات وأحبطت الآمال المعقودة على إمكان إحياء عيدي الميلاد ورأس السنة، تضافر كل تلك العوامل جعلت من إحياء الأعياد مهمة شبه مستحيلة في لبنان هذا العام.

لم تُر بيروت يوماً كما هي اليوم، تلفّها الخيبة، لا زينة شوارع لا احتفالات لا مظاهر أعياد باستثناء بعض المبادرات الخجولة التي قامت من خلالها جمعيات وناشطين بإقامة احتفالات متواضعة في أحياء وشوارع العاصمة التي تضرّرت جراء انفجار 4 آب بهدف تقديم بعض الدعم المادي والمعنوي للبنانيين.

حتى شجر الميلاد الذي كان يملأ شوارع العاصمة وساحات المدن والبلدات اللبنانية لم يكن هذا العام كسابقاته، فقلّة قليلة من البلديات عمدت إلى نصب شجرة ميلاد مختلفة عن العام الفائت فالسواد الأعظم مما حضر في الشوارع والمناطق من شجر ميلاد وزينة يعود للأعوام السابقة، فلا قدرة مالية لتأمين زينة جديدة خصوصاً أن كافة المنتجات والمعدات المُستخدمة في زينة الشوارع مستوردة ما يعني أن ثمنها مقوّماً بالدولار وهو ما ليس بمقدور البلديات على تحمّله.

وإذا كانت ليلة رأس السنة تفتقد لإحياء الحفلات والسهرات كما العادة، يبقى إحياء عيد الميلاد بسهرات عائلية متاحاً أكثر أمام اللبنانيين، لكن السهرات العائلية لن تأخذ هذا العام شكلها المعتاد وستفتقد لطابعها التقليدي الذي يقوم بالدرجة الأولى على تبادل للهدايا وعشاء ميلادي تقليدي فالتكلفة المادية لعشاء عائلي ميلادي وبعض الهدايا باتت مكلفة جداً تعجز الغالبية الساحقة من اللبنانيين عن توفيرها.

مطاعم ومقاهي مغلقة

على الرغم من تخفيف أو تعليق، إذا صح التعبير، إجراءات التعبئة العامة لمنع انتشار فيروس كورونا استثنائياً في فترة الأعياد، لم يشهد ما تبقى من قطاع المطاعم والفنادق والمقاهي حجوزات مسبقة كما السنوات السابقة، فالقطاع تلقى عدة ضربات قاسية بدأت بإقفالات متقطعة جراء فيروس كورونا واستُكملت بأزمة الدولار فأقفلت أكثر من 1000 مؤسسة في أقل من عام ليأتي انفجار مرفأ بيروت ويقضي على 2069 مطعماً ومقهى وملهى ويُلحق أضراراً بالغة بنحو 163 فندقاً.

أما المطاعم والمقاهي التي تمكّنت من الإستمرار بفتح أبوابها لم تشهد حجوزات كثيفة نظراً لارتفاع الأسعار بشكل كبير، قلة منها فقط وضعت برامج فنية لليلتي الميلاد ورأس السنة غير أن متوسط أسعار الحجوزات لا تقل عن مليون ليرة لبنانية، وفي جولة اتصالات أجرتها “بيروت توداي” تراوحت أسعار الحجوزات في المطاعم بين 500 ألف ليرة ومليوني ليرة للشخص الواحد وهي تعادل أضعاف ما كانت عليه في وقت سابق.

كافة القطاعات التي كانت تشهد ازدحاماً في فترة الأعياد تفتقر للحركة اليوم ومنها قطاع صالونات التجميل، فلم تتلق حجوزات لفترة الأعياد حتى أن كبرى صالونات التجميل في منطقتي الحمرا وفردان على سبيل المثال لا حجوزات لديها لسهرتي الميلاد ورأس السنة باستثناء عدد قليل جداً من الزبائن وبعض الأعراس المقرر إقامتها في فترة الأعياد.

“ترف” عشاء الميلاد 

العائلات اللبنانية تبقى الخاسر الأكبر من انهيار الوضع الإقتصادي الذي أفقدها القدرة على تأمين زينة المنازل وشجرة الميلاد وهدايا الأطفال والعشاء الميلادي، فلا تقل تسعيرة شجرات الميلاد التي يتراوح طولها بين 120 سنتمتراً و160 سنتمتراً عن مليون و200 ألف ليرة أي ما يعادل قرابة ضعفي الحد الأدنى للأجور.

وبالنسبة إلى العشاء الميلادي فحدّث ولا حرج بالغلاء، فليس الفقراء وحدهم عاجزون عن تحضير سفرة ميلادية إنما أيضاً عائلات ما كان يُعرف بالطبقة الوسطى ومحدودي المداخيل، لم تعد ميزانياتهم تحتمل أسعار المواد الغذائية والإستهلاكية، خصوصاً المرتبطة بطقوس وأجواء الأعياد.

وبين عيدي الميلاد في العام 2019 والعام الحالي 2020 فرق شاسع، فمؤشر أسعار الإستهلاك ارتفع بنحو 133.47 في المئة وفق إدارة الإحصاء المركزي في رئاسة مجلس الوزراء وكان لافتاً في جدول الإحصاء الشهري، الذي تجري فيه مديرية الإحصاء مقارنة للمتغيرات الشهرية والسنوية، بلوغ الارتفاع السنوي لأسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الروحية نسبة 423.2 في المئة.

أما الألبسة والأحذية فارتفعت بنسبة 461.83 في المئة، والمشروبات الروحية والتبغ والتنباك ارتفعت بنسبة 405.29 في المئة، كما ارتفعت أسعار المطاعم والفنادق بنسبة 592.50 في المئة، إلى جانب سلع وخدمات أخرى، يبلغ معدل ارتفاعها العام 133.47 في المئة.

أسعار خيالية

بمعنى أن المنتج الذي بلغ سعره في فترة عيد الميلاد الفائت 100 ألف ليرة بات سعره اليوم نحو 423  ألف ليرة أي أنه ارتفع أكثر من أربعة أضعاف كمعدل عام خلال سنة واحدة، وفي عملية حسابية بسيطة نجد أن تكلفة عشاء الميلاد لعائلة واحدة تتكون من خمسة أفراد بالحد الأدنى تتراوح بين مليون ومليوني ليرة، الأمر الذي دفع بكثير من العائلات إلى الإستغناء عن أصناف عديدة اعتادوا تقديمها على مائدة عيد الميلاد مستعيضين عنها بأصناف من المأكولات اللبنانية زهيدة الثمن.

فالحبش على سبيل المثال لا بد من استبداله بأصناف أخرى من اللحوم إذ يتراوح ثمنه بين 350 ألف ليرة و750 ألف ليرة، وليست اللحوم بأفضل حال فأسعارها تفوق ضعفي ما كانت عليه سابقاً، ويبلغ متوسط سعر كيلو اللحم 40 ألف ليرة وكيلو لحم الدجاج يبلغ 30 ألف ليرة وإذا ما استثنينا الكافيار والأسماك واتجهنا صوب اللحوم المقدّدة والمعجّنات والأجبان فنلاحظ ارتفاعاً بأسعار كافة أصناف المعجنات والكبب بشكل كبير بحيث يتجاوز سعر دزينة المعجنات 12 ألف ليرة.

أما الأجبان فأسعارها باتت خيالية، إذ ارتفع سعر أوقية جبنة القشقوان من 18 ألف ليرة إلى 75 ألف ليرة، والـ Fondel من 18 ألف ليرة إلى 75 ألف ليرة، والـ Emmental cheese والـ Gruyère cheese فكان سعر الأوقية من الصنفين بـ18 ألف ليرة ارتفع إلى 75 ألف ليرة، والموزاريلا ارتفعت من 15 ألف إلى 60 ألف ليرة، ناهيك عن الـ Salami الذي ارتفع من 20 ألف إلى 100 ألف ليرة والـ Jambon من 17 ألف ليرة إلى 75 ألف ليرةز

بحسب صاحب سوبر ماركت فإن أصنافاً كثيرة مخصّصة لعشاء عيد الميلاد توقف عن بيعها في متجره بسبب الإرتفاع الهائل في أسعارها وخوفاً من كسادها لديه وعدم قدرة الزبائن على شرائها مثل عدد من أنواع الأجبان الأوروبية الفاخرة كالـBrie والـ Rambol والـ Parmesan التي فاقت أسعارها جميعها 200 ألف ليرة.

حتى الخضار والفاكهة لم تسلم من نار الغلاء فأسعارها تضاعفت، وإذا كان تبرير ارتفاع أسعار الأجبان الأوروبية واللحوم لكونها مستوردة وأسعارها مقوّمة بالدولار، فما هو تبرير ارتفاع كيلو الحامض اللبناني على سبيل المثال إلى 8000 ليرة؟

ولا تخلو سفرة عيد الميلاد، فيما لو تم تحضيرها كالمعتاد، من النبيذ والـ Liqueur والحلويات فجميعها ارتفعت أسعارها بشكل كبير لاسيما الحلويات فالـ Bûche de Noël متوسط الحجم يبلغ معدل سعره 100 ألف ليرة.

بالنظر إلى تلك الأسعار والغلاء الفاحش الذي أحدثته أزمة الدولار مجتمعة مع جشع التجار، بات إحياء عيد الميلاد وممارسة طقوسه الإجتماعية والعائلية أمراً في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً لغالبية فئات المجتمع اللبناني.