لم تُطو صفحة انفجار مرفأ بيروت ولم يلملم أهالي الضحايا أضرارهم البشرية والجسدية والنفسية والمادية حتى اللحظة، فالسلطات الرسمية تمتهن الهروب إلى الأمام تجنباً للمواجهة وتحَمّل المسؤوليات، فتماطل بالتحقيقات وتطمس الحقائق، ومعها تتأرج شركات التأمين وتتذرّع بألف سبب وسبب تفادياً لتكبّد مبالغ تأمينية على المتضررين جسدياً ومادياً.

ولم تكتف يد الإجرام بالتطاول على حق اللبنانيين بالحياة الآمنة فانفجار مرفأ بيروت طال بأضراره وشظاياه آلاف العائلات بين قتلى وجرحى ومتضررين ومشرّدين، مرّ على وقوعه نحو 4 أشهر ولم تحسم الدولة حتى اليوم أمرها في صوغ تقرير نهائي لنتيجة التحقيقات حول مسببات الإنفجار والذي على أساسه يُفترض أن تُباشر شركات التأمين في دفع التعويضات على المتضررين من عملائها.

الفاجعة تكمن بأن ملف التأمين عموماً وتأمين المرفأ خصوصاً يقبع على جملة تعقيدات قد تجرّد المتضررين من تعويضاتهم أو ربما تحوّل تعويضاتهم إلى مجرّد فتات، أضف إلى أن عملية “تناتش” تحصل اليوم لحقوق المتضررين، على مرأى من الجميع، أبطالها شركات تأمين.

منذ وقوع انفجار مرفأ بيروت في 4 آب وحتى اليوم تجاهر شركات التأمين في لبنان أنها تنتظر اكتمال التحقيقات الرسمية بجريمة المرفأ وصدور التقرير الرسمي الذي يبيّن طبيعة وسبب الإنفجار وتحديد ما إذا كان ناتج عن عمل حربي أو إرهابي أو عمل مقصود أو عن إهمال، وقبل صدور التقرير لن تباشر الشركات في دفع تعويضات للمتضررين من الأفراد والمؤسسات والشركات وغيرها.

هذا بالنسبة إلى آلاف المتضررين خارج المرفأ من الإنفجار والمؤمّنين لدى شركات تأمين مختلفة. أما للمتضررين من داخل المرفأ والمشمولين في تأمين المرفأ فلهؤلاء حكاية أخرى، حكاية لا تقل ألماً عن حكاية جريمة الإنفجار ووحشيته.

لا تقرير لا تعويضات

قرابة 4 أشهر مرت على جريمة المرفأ لم تنه فيها السلطات الأمنية والسياسية التحقيقات ولم تُصدر تقريرها النهائي ما يشكل ذريعة لشركات التأمين بتأخير سداد التعويضات للمتضررين الذين لديهم بوالص تأمين، فما الذي يعيق فعلياً البدء بسداد التعويضات للمتضررين؟ وهل لدى شركات التأمين النيّة والقدرة على دفع التعويضات؟ 

دأبت كافة القطاعات التي تضرّرت مصالحها نتيجة انفجار مرفأ بيروت وتعرّضت لخسائر، على المطالبة من جمعية شركات الضمان بسداد الحقوق والتعويضات للمتضررين المؤمّنين، وتوجهت المؤسسات السياحية والتجارية والصناعية وغيرها أكثر من مرة بسؤال محدّد لشركات التأمين: “هل ستدفع للمؤسسات المتضررة التي لديها بوالص تأمين خسائرها بالدولار نقداً على غرار تقاضيها من شركات معيدي التأمين في الخارج fresh dollar، أم أن الدفع سيكون بالشيكات دولار أم بالليرة اللبنانية؟”

هذه التساؤلات لم تجب عنها شركات التأمين، لكن وفق مصدر مطلع في حديث إلى “بيروت توداي” فإن شركات التأمين تنوي سداد قيمة التعويضات بالعملة المدرجة في  العقود أي الدولار لكن وفق آلية التعامل بالحسابات الدولارية في المصارف أي من خلال شيكات مصرفية مقومة بالدولار، على حد تعبيره.

لكن ثمة أمر أثار استنكار الهيئات الإقتصادية مؤخراً وما تمثله من قطاعات متضررة من انفجار مرفأ بيروت وهو ما أتى على لسان وزير الإقتصاد والتجارة في حكومة تصريف الأعمال راوول نعمة عن أن كلفة الأضرار الإجمالية جراء انفجار المرفأ المؤمن عليها تبلغ نحو 1659 مليار ليرة، أي ما يعادل مليار و100 مليون دولار وفق سعر الصرف الرسمي 1500 ليرة للدولار، وأن الأضرار المدفوعة من قبل شركات التأمين حتى الآن بلغت نحو 19 مليار ليرة من أصل 1659 مليار ليرة.

ما يعني أن وزير الإقتصاد احتسب قيمة المدفوعات من أصل قيمة الأضرار بالليرة اللبنانية وفق سعر الصرف الرسمي 1500 ليرة، وبذلك تكون حقوق المتضررين من مؤسسات وأفراد قد ضاعت في زواريب شركات التأمين، لاسيما أن قيمة الليرة باتت أدنى بنحو 80 في المئة عما كانت عليه كما أن أسعار مواد إعادة الإعمار يتم تحديدها من قبل التجار وفق سعر صرف السوق السوداء (قرابة 8500 ليرة للدولار حالياً).

لا معيدي تأمين

والطامة الكبرى تبقى في عدم قدرة عدد كبير من شركات التأمين على سداد التعويضات للمتضررين لضعف ملاءتها ومواجهتها خطر الإفلاس، هذا الملف وإن لم يخرج إلى العلن بشكل واضح غير أن خلافات كبيرة نشأت بين أركان الهيئات الإقتصادية (والتي تشكّل شركات التأمين أحد أطرافها) وشركات التأمين على خلفية انكشاف بعضها وفك عقودها مع معيدي التأمين في الخارج.

هذا الأمر استدعى من جمعية شركات الضمان التأكيد بأن “كل شركة تأمين توقع سنوياً اتفاقيات إعادة تأمين مع أكبر معيدي التأمين في العالم مع نُسخ عن هذه الإتفاقيات تودِعها سنوياً لدى لجنة الرقابة على شركات الضمان، وذلك بحسب نوع المخاطر التي تؤمّنها ووفقاً لخطة إدارة مخاطر ودراسات أكتوارية حِرفية تقدّم إلى المراجع المختصة”.

تأكيد الجمعية على ارتباط الشركات بمعيدي تأمين لن يُترجم مزيداً من الثقة بشركات التأمين، فأزمة الدولار لم تترك مجالاً لحسن الظن والشركات وفق مصدر مطلع تواجه أزمة تحويل الدولارات إلى معيدي التأمين منذ قرابة العام، ما يهدّد باستمرار بعضها خلال العام المقبل 2021.

والأخطر من ذلك هو عدم ارتباط عدد من شركات التأمين على الإطلاق بمعيدي تأمين، فهناك شركات تعتمد وفق المصدر، سياسة تبادل المخاطر فيما بينها، بمعنى أن تتقاسم التغطية، لكنها وإن كانت مجتمعة لا يمكنها مواجهة تعويضات بحجم الأضرار التي خلّفها انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب الفائت. أضف إلى أن كبرى شركات التأمين تابعة للمصارف وأموالها مستثمرة كما أموال المودعين في سندات الخزينة في حين تعجز الدولة عن سدادها.

وانطلاقاً من تزايد الشكوك بقدرة شركات التأمين على تغطية الأضرار الناجمة عن انفجار مرفأ بيروت باتت الإجابات على السؤالين التاليين أمراً ملحاً فيما لو توفّرت الإجابات:

– هل الدفع للمتضررين سيتم بالدولار النقدي (fresh dollar)، أم بالليرة اللبنانية أم عبر شيكات مصرفية بالدولار؟

– كم عدد شركات التأمين التي لم تقم بعملية إعادة التأمين على بوالصها في الخارج؟ ومن هي تلك الشركات؟

إفلاسات محتملة

لم يعد خافياً أن شركات التأمين تواجه أزمة حقيقية اليوم لجهة صعوبة تحويل الأموال إلى معيدي التأمين في الخارج من جهة وإلى تراجع حجم أقساط التأمين المحصّلة من جهة أخرى، ما يجعل من بعض شركات التأمين عاجزة عن الإلتزام بعقودها المُبرمة مع معيدي التأمين خارج لبنان، وهو ما يؤدي إلى فك العقود مع معيدي التأمين. والنتيجة ارتفاع مخاطر تعثر شركات التأمين تلك وربما مواجهتها خطر الإفلاس مع أول استحقاق كبير قد تتعرّض له على غرار انفجار مرفأ بيروت.

وقد تعرّضت فعلياً بعض شركات التأمين لخطر الإفلاس في وقت سابق بعد فسخ عقودها مع معيدي التأمين، وفي إحدى الحالات اضطرت إحدى شركات التأمين إلى إعلان إفلاسها، بعدما عجزت عن تغطية مليوني دولار، قيمة تعويض التأمين عن أضرار لحقت بباخرة مؤمّنة لديها. وهنا تكمن أهمية معيد التأمين الذي يتقاسم المخاطر مع الشركة.

في غياب معيد التأمين يصعب على أي شركة مواجهة أضرار كبيرة لا سيما أن رأسمال شركة التأمين اللبنانية وفق القانون لا تتجاوز 3 مليون دولار فقط، والشركة الأجنبية 6 مليون دولار. وخير مثال شركتا Mains وLiberty اللتان أفلستا، وشطب إسميهما من لائحة شركات التأمين، بعد فك ارتباطهما مع معيد التأمين لعجزهما عن سداد قيمة التعويضات على أضرار محدّدة.

من هنا يرتفع مستوى القلق من تخلّف أو تهرّب شركات التأمين عن سداد التعويضات المحقة للمتضررين من أفراد ومؤسسات وشركات ومحال وغير ذلك جراء انفجار مرفأ بيروت، وقد حذّر مصدر متابع لقطاع التأمين من خطر إفلاس أكثر من شركة تأمين، في الأشهر الأولى من العام 2021، إذ أن شركات التأمين تواجه بمعظمها خطراً جامحاً باستثناء عدد قليل منها ما زالت تسيّر أمورها المالية، لاسيما تلك التي تمتلك فروعاً في الخارج، وقد تراجع حجم أعمال شركات التأمين بنسبة 60 في المئة في الأشهر الماضية.

عقد المرفأ

أما الخطر الأكبر فيكمن في احتمال عدم سداد التعويضات لمتضرري انفجار مرفأ بيروت بموجب عقد التأمين المُبرم مع إدارة المرفأ. بعد أن أشيع بأن العقد المُبرم بين إدارة المرفأ وشركة ميدغلف (MedGulf) هو عقد مزور، سارعت الشركة المذكورة إلى النفي بالقول أن الشركة حصلت على عقد التأمين في العام 2016 نتيجة مشاركتها في مناقصة شفافة تقدمت إليها عدة شركات، وحازت على موافقة الجهات الرقابية المختصة في الدولة اللبنانية، أما تجديد عقد التأمين في العام 2019 ولعام 2021 فجاء بتمني وإلحاح من وزارة الأشغال خدمةً للطرفين، وفق ما أكدت الشركة.

لكن ووفق معلومات “بيروت توداي” فإن العقد غير سليم على الإطلاق بدليل أن مشاكل قائمة حالياً داخل الشركة على خلفية البحث عن مخارج قانونية تجنّب الشركة أي مساءلة قانونية من جهة وتخفف من وطأة الضرر اللاحق بها والناجم عن الإرتفاع الهائل لحجم الأضرار جراء انفجار مرفأ بيروت من جهة اخرى. 

ويؤكد المصدر بأن العقد أبرم في العام 2019 حين تم تجديده بين مدير فرع الشركة في طرابلس ووزير الاشغال آنذاك في وجود أحد أقرباء الوزير وهو شريك بالصفقة، ومن دون علم مسبق من إدارة الشركة، ما يعني أن العقد غير حاصل على معيد التأمين كونه غير مسجل، وتالياً يمكن للشركة التهرّب من سداد التعويضات عن الأضرار.

+ posts