يشهد لبنان اليوم أزمات إقتصادية-إجتماعية خانقة وجديدة من نوعها في وقت لا يزال هنالك ملفات معيشية شائكة ومتراكمة تتطلب المعالجة منذ سنوات، من ضمنها الدّين العام. فمِنَ المتوقع أن يرتفع هذا الدّين الذي وصل إلى حوالي 161 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2020 إلى ما يتخطى 167 بالمئة للعام 2021 بالإستناد إلى تقديرات صندوق النقد الدولي.

عملياً، يمكن الإستنتاج أن الدّين العام ينمو سنوياً بمعدل ثلاثة بالمئة تقريباً، ما يجعل من لبنان ثاني أكثر دولة مديونة في العالم بعد اليابان نسبة إلى ناتجه المحلي الإجمالي (مع العلم أن إجمالي عجز الكهرباء المتراكم منذ 1992 حتى نهاية عام 2017 بلغ 36 مليار دولار، ما يمثل حوالي 45 بالمئة من إجمالي الدّين العام وفق بيانات مؤسسة الكهرباء). ويجدر الإشارة إلى أن إرتفاع الديون السيادية ترتبط بطريقة مباشرة بالحسابات المالية للدولة اللبنانية، إذ ارتفع العجز إلى 12,057 مليار ليرة هذا العام. 

وبفعل هذا الإنهيار الاقتصادي الكارثي القائم في البلاد، اضمحلت الطبقة الوسطى متأثرة بإنهيار الليرة وغيرها من العوامل، علماً أن تلك الطبقة كانت تشكل قبل الثمانينيات حوالي 80 بالمئة من المجتمع، لتعود وتتقلص اليوم إلى أدنى حدودها بعدما كانت هي المحرك الأساسي للاقتصاد.

وعن هذا الموضوع، أوضحت لجنة الأمم الإجتماعية والإقتصادية لغربي آسيا (الإسكوا) في دراسة حديثة لها أن العدد الإجمالي للفقراء في لبنان أصبح يفوق 2.7 مليون شخص حسب خط الفقر الأعلى –أي عدد الذين يعيشون على أقل من 14 دولاراً في اليوم– الأمر الذي يثبت تآكل الطبقة الوسطى بشكل غير مسبوق خاصة بعد انخفاض نسبة ذوي الدخل المتوسط إلى أقل من 40 بالمئة من السكان. وبالتالي، ترجح مصادر رسمية ل”بيروت توداي” تراجع فئة الميسورين إلى ما يقارب 5 بالمئة هذه السنة.

قد يكون القطاع السياحي المثل الأنسب لتجسيد هذا الواقع كونه ليس بمنأى عن الصدمات، خاصة بعد تصريح نقيب أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان طوني الرامي عن الصعوبات التي يواجهها هذا القطاع، لا سيما تلك المتعلقة بإجراءات الإغلاق المفروضة.

ففي حديثٍ صحافي، أكد الرامي أن ‏عدد المؤسسات التي تتعاطى الطعام والشراب، وأُجبِرت على الإقفال في ظل هذه الأزمة، تناهز 785 مؤسسة في الفترة بين ‏أيلول 2019 وشباط 2020، لتعود وترتفع هذه النسب اليوم إلى 15 ألف مؤسسة.

الأمر الذي أدى إلى صرف نحو 80 ألف موظف من أشغالهم، في حين اضطر آخرون إلى العمل بدوام جزئي وبنصف راتب نتيجة تدني أرقام المبيعات بنسبة 75 بالمئة. أما الأضرار غير المباشرة والمرتبطة بعمليات التشغيل والإيرادات الفائتة تُقدر ب 500 مليون دولار شهريا –وهي كلفة هائلة لا قدرة لأصحاب المؤسسات على تحملها.   

من تداعيات البطالة في لبنان: جرائم وسرقات وهجرة

جمعية “مبادرات وقرارات” أصدرت تقريراً عن عدد العاطلين عن العمل في إطار دراسة قدمتها لمعرفة “أسباب توجه الشباب نحو الإرهاب وآفات المجتمع”. تبين وفق الدراسة أن هناك نحو 660 ألف شخص عاطل عن العمل، مع الأخذ بعين الإعتبار تفاوت نسبة البطالة بين منطقة وأخرى على الشكل التالي:

بيروت: 20 بالمئة

جبل لبنان: 32 بالمئة

صيدا: 20.5 بالمئة

صور: 19 بالمئة

عكار: 44 بالمئة

البقاع الشمالي: 44.5 بالمئة

البقاع الغربي: 22.5 بالمئة

وفي دراسة لإدارة الإحصاء المركزي وإستناداً إلى دراسة لشركة (Infopro)، تخطت معدلات البطالة  لدى الشباب من حملة الشهادة الجامعية 35 بالمئة– أي شاب واحد عاطل عن العمل من بين كل ثلاثة.

إضافة، أفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة عن تقديرات تشير إلى أن أكثر من 70 ألف شخص فقدوا وظائفهم بسبب الإنفجار، مع ما يترتب على ذلك من آثار مباشرة على حياة 12 ألف أسرة.

وفي هذا السياق، يرى مؤسس “الدولية للمعلومات” الباحث جواد عدرا أن هذه الأرقام “الخطيرة” قابلة للإرتفاع، ويمكن أن ترفع معها نسبة الفقر المقدرة حالياً ب 55 بالمئة إلى 70 بالمئة “لأن البطالة هي مرادفة للفقر”.

وتوقع عدرا في حديثه مع “Independent عربية” أننا “قد نشهد إنتشار للجرائم وعصابات السرقة والقتل للحصول على المال. فمن تداعيات البطالة تدمير القيم الإجتماعية التي ما زال اللبناني محافظاً عليها حتى الآن على الرغم من كل الظروف، حيث قد تتراجع معدلات الزواج وترتفع معدلات الطلاق”.

وعن هذا الموضوع، أكدت إحصاءات قوى الأمن الداخلي إرتفاع معدل الجرائم خلال العام الحالي مقارنة مع السنوات الماضية –خصوصاً القتل والسرقة الموصفة بواسطة الكسر والخلع لمنازل ومحال وصيدليات –إذ بلغت 863 عملية (معدل وسطي 173 شهرياً) مقابل 650 العام الماضي بأكمله.   

غياب شبكة أمان اجتماعية وتردي الأوضاع الإقتصادية بإستمرار دفعت بقسم كبير من اللبنانيين إلى التفكير في السفر والهجرة من البلاد طمعاً بحياة كريمة في الخارج، علماً أن 90 بالمئة من اللبنانيين لديهم الرغبة في الهجرة والسفر لكن القدرة غير متوفرة.

ففي العام 2019، وصل عدد المهاجرين إلى 66 ألف، في حين وصل العدد في غضون ثلاثة أشهر لهذا العام إلى 25 ألف مقابل 19 ألف في الفترة الماضية. والمؤسف في هذا الموضوع أن هذه الطلبات كانت محصورة بالمتخرجين الجدد، أما اليوم باتت من كل الفئات والأعمار.

الفقر المدقع يغرق اللبناني في براثنه

تضاعفت نسبة الفقراء من سكان البلاد لتصل إلى 55 بالمئة عام 2020 –25 بالمئة منهم دون خط الفقر لا يكفي دخلهم الشهري لتأمين الغذاء الصحي والسليم، و30 بالمئة منهم دخلهم يكفي لتوفير الغذاء لكنهم عاجزين عن تأمين الطبابة والتعليم والمسكن– بعد أن كانت 28 بالمئة في 2019.

وبالتالي، ارتفعت نسبة الذين يعانون من الفقر المدقع 3 أضعاف من 8 بالمئة إلى 23 بالمئة خلال الفترة نفسها بحسب دراسة أعدتها الإسكوا.

وتشير دراسة أخرى أعدها البنك الدولي بالتعاون مع إدارة الإحصاء المركزي عام 2016 إلى أن ربع مليون مواطن في لبنان يعيشون على أقل من أربعة دولارات يومياً، أي 120 دولاراً في الشهر. كما تشير البيانات إلى أن 360 ألف لبناني يعيشون بأقل من 2.5 دولار يومياً مع العلم أن الحد الأدنى للأجور تراجعت قيمته بنسبة تصل إلى 83 بالمئة: من 675 ألف ليرة –أي 450 دولاراً– إلى 75 دولار بسبب فروقات سعر الصرف.  

وإنطلاقاً من كون لبنان بلداً يعتمد على الإستيراد إلى حد كبير بالدولار، إرتفعت أسعار السلع بشكل جنوني خصوصاً الحليب (من 15 ألفاً إلى 45 ألفاً) وحفاضات الأطفال، الأمر الذي دفع عدد من الأمهات تقايض ثيابهن أو مقتنيات منازلهن لقاء مبالغ ضئيلة علها تسد رمقهم.

تقول ملاك جعفر الناطقة الإعلامية بإسم برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة ل”الأخبار” إن ” تزايد الفقر سيؤدي إلى عدم تمكن الأسر من شراء احتياجاتها الغذائية اليومية المعتادة، وستختار الحصول على طعام أرخص، وتواجه صعوبات في دفع الإيجارات، وقد تضطر إلى تغيير مكان سكنها وتصبح أقل قدرة على الحركة لعدم القدرة على دفع تكاليف النقل، فضلاً عن عدم القدرة على دفع النفقات الصحية اللازمة وتغطية تكاليف التعليم.”