خطت وزارة العمل اللبنانية خطوة إلى الأمام في مجال كسر الصورة النمطية المرافقة للبنان في الخارج التي تعكس عدم احترام وحماية حقوق الإنسان وانتهاكات أبسط المعايير الإنسانية لاسيما في ملف العمالة الأجنبية. حاولت وزارة العمل صوغ عقد عمل موحّد يساهم بتحرير العاملة الأجنبية من الكفيل ويُسقط بالتالي نظام الكفالة القائم في لبنان منذ سنوات، لكن المحاولة المتمثلة بإقرار “عقد العمل الموحد” شابتها العديد من الثغرات والشوائب ما جعل منها مجرّد تغييرات شكلية لآلية التعامل بين رب العمل والعاملة أو العامل الأجنبي.

تضمن عقد العمل الموحّد العديد من التفاصيل والأمور البديهية إضافة الى تحديد الراتب الشهري بالحد الأدنى الرسمي للأجور في لبنان من ضمنه الملبس والمسكن وغيرها، كما نص على حق العاملة بالاحتفاظ بأوراقها الثبوتية وجواز سفرها وورقة الإقامة وإجازة العمل وحقها بأن يكون لديها غرفة مع قفل وأن يكون لديها حرية التنقل ومنحها أيام أعطال وفق الأصول وغير ذلك من البنود الإنسانية لكن السؤال هل سيُحدث عقد العمل الموحّد تقدّماً حقيقياً في ملف العمالة الأجنبية في لبنان؟ وهل سيحمي العاملات الاجنبيات من انتهاك حقوقهن من قبل مستخدميهن ومستقدميهن؟


شاهدوا أيضا | ألغوا الكفالة: عاملات المنازل الأجنبيات في لبنان يُتركن في الشوارع


فسخ العقد 

يشوب عقد العمل الموحّد الكثير من الثغرات برأي متخصّصين ومدافعين عن حقوق العمال وقبل تفنيد العقد لا بدّ من الإشارة إلى أن عقد العمل الموحد أقرّ بعد دراسته مطوّلاً من قبل وزارة العمل والجهات الرسمية والمدنية المعنية.

يتضمّن 15 مادة غالبيتها من البديهيات إضافة الى بعض الأمور المستجدة أبرزها المادة 13 المتعلقة بفسخ العقد وتقضي بإعطاء الحق للطرفين أي العاملة ورب العمل بفسخ العقد بشكل أحادي وفقاً لشروط كل منهما، وتبدو هذه المادة فضفاضة غير واقعية، فموضوع فسخ عقد العمل بالنسبة الى العامل ورب العمل يستلزم موجبات لاسيما إذا ما أريد من هذه المادة التعامل مع العاملة أو العامل الأجنبي على غرار التعامل مع العامل اللبناني.

وبحسب المادة 50 من قانون العمل اللبناني يُعد فسخ عقد العمل صرفاً تعسفياً، وهو ما يوجب على صاحب العمل منح شهر إنذار للعامل وسداد تعويض مادي بدل صرف تعسفي كما أن فسخ العقد في قانون العمل يُجيز للأجير أن يبحث عن عمل آخر خلال مدة زمنية تحدد بشهر الإنذار، وكل هذه الأمور لا يلحظها عقد العمل الموحد الجديد.

ساعات العمل

تتناول المادة رقم 10 من عقد العمل الموحد موضوع ساعات العمل والاستراحات الأسبوعية واليومية، فتحدّد ساعات العمل الأسبوعية بـ48 ساعة كحد أقصى، أي بمعدل 8 ساعات يومياً، ويمكن زيادة ساعات عمل إضافية على أن يدفع بدلاً منها زيادة قدرها 50 في المئة عن الساعة العادية شرط أن لا تتجاوز ساعات العمل اليومية بعد الزيادة 12 ساعة، على أن يكون العمل الإضافي على أساس استثنائي فقط. ويحق للعاملة ساعة واحدة للراحة بعد كل خمس ساعات عمل متواصلة على أن لا تقل ساعات الراحة المتواصلة ليلاً عن 9 ساعات.

وقد أجيز للعاملة فترة راحة أسبوعية لا تقل عن أربع وعشرين ساعة متواصلة ويعود لها حرية الخروج من المنزل في يوم العطلة. ويمكن لرب العمل أن يطلب من العاملة العمل خلال فترة راحتها الأسبوعية بصورة إستثنائية على أن تستفيد العاملة بيوم راحة آخر بديلاً عنه في أقرب وقت ممكن.

كما تتطرق المادة 11 من عقد العمل الموحّد الى الإجازات السنوية والمرضية والعطل فتجيز للعاملة الأجنبية الاستفادة من إجازة سنوية مدفوعة الأجر لمدة خمسة عشر يوماً بعد مرور عام على بدء عملها بصورة متواصلة أو متقطعة بحسب الإتفاق بين الفريقين ووفقا لظروف العمل. وتستفيد من ثلاثة أيام إضافية مدفوعة الأجر بعد مرور ثلاث سنوات من العمل إضافة الى آلية تفصيلية للإجازات السنوية.

لا شك أن المادتين 10 و11 حرصتا كثيراً على التعامل مع العاملة أو العامل الأجنبي على غرار العامل اللبناني في ما خص الإجازات وساعات العمل، لكن السؤال من يمكنه مراقبة صحة تطبيق تلك المواد؟ وكيف يمكن ضبط رب العمل حين يخالف هذه المواد ويفرض على العاملة العمل طيلة اليوم وليس فقط على مدى 8 ساعات، خصوصاً أن غالبية العاملات المنزليات يُقِمن بشكل دائم في منزل صاحب العمل.

من هنا يرى المدير التنفيذي للمرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين الدكتور أحمد الديراني في حديث الى “بيروت توداي” أن البنود الواردة في عقد العمل الموحّد والتي تطال ساعات العمل وحرية العاملات الأجنبيات وإجازاتهن وغير ذلك، جميعها أمور شكلية غير عملية في ظل وجود نظام الكفالة، مطالباً بالإلغاء التام لنظام الكفالة وليس التخفيف من مفاعيله أو تفكيكه كما تدّعي وزارة العمل.

هل العقد منصف؟

وعما إذا كان عقد العمل الموحد الجديد منصفاً للعاملات والعمال الأجانب، وفيما يرى ناشطون ومدافعون عن حقوق العمال أنه لن يُحدث تغييراً كبيراً في قطاع العمالة الأجنبية كما أنه لن يُسقط ظلم نظام الكفالة وانتهاكه لحقوق العامل، ترى المديرة العامة لوزارة العمل بالإنابة مارلين عطالله أن عقد العمل الموحّد خطوة متقدمة جداً في طريق الحدّ من الإستغلال الذي يحصل بحق العمالة المنزلية وكذلك لحماية حقوق صاحب العمل والحدّ من مظاهر العمل الجبري الذي يمارَس أحياناً بحق العاملات والعمال، وتكشف في حديث لها العمل على تعديل قانون العمل اللبناني لإسقاط المادة 7 منه وشمول العاملات المنزليات فيه في المرحلة المقبلة.

وإذ يجزم الديراني أن العقد الجديد غير منصف، يسأل ما المقصود بالتخفيف من العبودية وفق تعبير وزيرة العمل في حكومة تصريف الأعمال لميا يمّين وما معنى ذلك “فالعبودية لا يجدر بنا العمل على التخفيف منها إنما إلغائها تماماً وهذا الأمر يبقى المطلب الأساس بدل التلهّي بتفاصيل فضفاضة، ويرى أنه يجب أن تتحول العمالة المنزلية كأي عمالة أخرى وبدل الحديث عن تفكيك نظام الكفالة علينا إلغاؤه وإلغاء المادة 7 من قانون العمل اللبناني التي تُسقط صفة الأجراء عن شرائح عديدة من العمال وتجرّدهم من كافة حقوقهم.

رواتب العاملات المنزليات

يحدّد عقد العمل الموحّد الجديد راتب العاملة المنزلية ابتداء من الحد الأدنى الرسمي  للأجور في لبنان أي أن لا يقل الراتب عن 675 ألف ليرة لكن وفق العملة التي يتم الإتفاق عليها في العقد وغالباً ما تكون بالدولار الأميركي، ويفرض الإلتزام بالراتب الذي يرد في العقد بالإتفاق بين العاملة ورب العمل بمعنى أن الراتب يخضع لحرية التعاقد، أي أن الحد الأدنى للأجور اليوم 675000 ليرة أو ما يقارب 90 دولار وفق سعر صرف الدولار حالياً في السوق السوداء فإن راتب العاملة لا يجب أن يقل عن 90 دولار وبحسب الإتفاق بين الطرفين من الممكن أن يفوق ذلك بأضعاف.

من هنا بات متوقعاً أن يبلغ راتب العاملة 90 دولاراً فقط أو ربما أقل فيما لو استمر تدهور قيمة الليرة اللبنانية، بمعنى أنه من المستبعد أن يسدّد رب العمل راتب لعاملة أجنبية يفوق ما يسمح به القانون أي 90 دولار حالياً وربما أقل في وقت لاحق، بدليل أن العقود السابقة للعمالة الأجنبية كانت تفرض راتباً لا يقل عن 150 دولار للعاملة المنزلية وكانت النتيجة أن الغالبية الساحقة من العاملات كن يتقاضين 150 دولار باستثناء من تتمتع منهم بالقدرة على التحدث باللغة الفرنسية أو الإنكليزية.

قد يحقّق عقد العمل الموحّد بعض التقدم في اتجاه أنسنة العلاقة مع العمالة الأجنبية لاسيما منها العمالة المنزلية لكن يبقى الأساس في رفع الغبن عن العاملات المنزليات من خلال إلغاء كل مكاتب “استقدام العاملات المنزليات” العاملة على الأراضي اللبنانية أولاً لمخالفتها القانون منذ تأسيسيها ثانياً لأنها غالباً تعمل كمكاتب اتجار بالبشر.

ولعل مخالفتها للقانون يعود لكون قانون المؤسسة الوطنية للاستخدام التابعة لوزارة العمل يمنع إقامة مكاتب على الأراضي اللبنانية لاستخدام العمال من هنا يحرص “تجار البشر” في وزارة العمل على ترخيص تلك المكاتب تحت مسمى “مكاتب استقدام” وليس استخدام في محاولة للالتفاف على القانون…. ودون وضع اليد على كل تلك المكاتب تبقى كافة الجهود غير مكتملة.