من يراقب آلية التعاطي مع تداعيات انفجار مرفأ بيروت والفوضى العارمة في لملمة مخلفاته على كافة المستويات، يتراءى له أن انفجار المرفأ هو الكارثة الأولى الواقعة في هذا البلد أو أنها المرة الأولى التي يمر فيها لبنان بحالة طارئة ناجمة عن حدث أمني… عشرات الإنفجارات والإغتيالات والحروب والحوادث الأمنية مرت بلبنان ولم تُحسن الدولة لمرة واحدة لملمة أضرارها من خلال تشكيل خلية أزمة أو التأهب بما يتلاءم وحجم الكارثة.  

ولا يطال التقصير إتمام عمليات المسح وتحديد حجم الاضرار وآليات الدعم والتعويضات فحسب بل يطال ايضاً عملية إجلاء البضائع المستوردة والمُحتجزة في المرفأ جراء الإنفجار، فمنذ أسبوعين وحتى اليوم لا تنسيق ولا تنظيم لجهود الوزارات والمؤسسات المعنية بتحرير البضائع المتواجدة في محطة الحاويات والبالغ عددها مئات الكونتينرات، وعلى الرغم من الجهود والمحاولات الحثيثة من قبل كل مؤسسة أو وزارة على حدة غير أن سوء التنظيم وغياب التنسيق بينها جميعاً يجعل من مساعيها غير ذات جدوى.

بعد وقوع الإنفجار في مرفأ بيروت بيومين فقط باشرت وزارتي الاقتصاد والزراعة بتكليف فرق لأخذ عينات من البضائع المتواجدة في محطة الحاويات في المرفأ لإخضاعها للفحوص المخبرية وتحديد مدى مطابقتها للمواصفات الصحية قبل إدخالها إلى الاسواق، لكن الأمور لم تجر بالسرعة والسلاسة المطلوبتين. منذ ذلك اليوم وحتى اللحظة لم يتم إخراج كافة البضائع من المرفأ ما يعرّضها الى مزيد من أخطار التلف.

المختبر مقفل

وفي حين يحذّر نقيب مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي من التأخر الحاصل في إخراج المواد الغذائية المستوردة من مرفأ بيروت ويناشد المعنيين التنسيق فيما بينهم لإتمام عملية إخراج البضائع وفحصها وتسليمها لأصحابها في أقصى سرعة ممكنة لضخها في السوق عاجلاً، يؤكد المدير العام لوزارة الإقتصاد محمد أبي حيدر أن الوزارة لم توفر جهداً إلا وبذلته لإخراج البضائع من المرفأ وهي تعمل على أخذ العينات من الحاويات لفحصها مخبرياً ”فالبضائع تخرج على دفعات وفق صدور نتائج فحوصاتها وقد تم إخراج العديد من دفعات المواد الغذائية من المرفأ بعد التحقق من صلاحيتها“، يقول ابو حيدر.

وبين هذا وذاك يكشف مصدر لـبيروت توداي“ أن الفريق الذي أخذ عينات من بعض حاويات المواد الغذائية في المرفأ لم يتمكن من إيصالها الى المختبر الذي تعتمده وزارة الإقتصاد وهو مختبر معهد البحوث الصناعية التابع لوزارة الصناعة، والسبب أن المختبر أقفل أبوابه عند الساعة 12:45 دقيقة من يوم الإثنين 17 آب ورفع مذكرة إدارية تفيد بإغلاقه يومي الثلاثاء 18 والأربعاء 19 آب بسبب تفشي وباء كورونا، ما يطرح تساؤلات حول مدى وصحة التنسيق بين الأطراف المعنيين للتعامل مع الحالة الطارئة التي يمر بها البلد والتي تستلزم أعلى درجات الاستنفار لمعالجة كافة تداعيات الإنفجار ومنها إخراج المواد الغذائية من المرفأ.

هل من تنسيق؟

لدى مستوردي المواد الغذائية مآخذ على السلطات المعنية بسوء التنسيق فيما بينها لتسهيل وتسريع عملية الإفراج عن البضائع من المرفأ وهو ما يشدد عليه بحصلي في حديثه إلى ”بيروت توداي“. البضائع لم تخرج حتى اليوم وليس هناك من تنسيق على الإطلاق بين الأطراف المعنية بالأمر على الرغم من الجهود المبذولة لمعالجة الأزمة، يقول بحصلي. الوضع حساس والحالة طارئة وعلى الجميع الاستنفار لحل أزمة أكثر من 500 كونتينرز من المواد الغذائية المتواجدة في المرفأ.

”البضائع لن تدخل الأسواق ما لم تخضع جميعها للفحوص والتدقيق بمدى صلاحيتها ويبقى التأخر أقل سوءاً من عدم التحقق من صحة البضائع“ يحسم أبو حيدر الأمر في حديثه الى ”بيروت توداي“، موضحاً أن هناك نوعين من البضائع المبردة وغير المبردة وفيما خص البضائع المبردة تحديداً فلا يمكن إخراجها قبل التحقق من الحرارة التي تعرضت لها حتى وإن كانت العينات المأخوذة منها صالحة، ويجري التحقيق بهذا الأمر. ويوضح أبو حيدر أن آلية العمل بدأت تتسارع يوم الإثنين 18 آب ”إذ كانت الأمور بطيئة جداً في الأيام السابقة، ذلك لصعوبة دخول الفرق المعنية الى المرفأ بسبب الإجراءات الأمنية وزيارات الرسميين ومنهم الرئيس الفرنسي والوفود الى المرفأ ومتابعة المسح وغير ذلك من الإجراءات الأمنية“.

آلية الفحوص

أما لجهة آلية الفحوص والتنسيق في ما خص الإستعاضة عن مختبر معهد البحوث الصناعية بعد قرار إغلاقه ليومين، يقول الدكتور ايلي بو يزبك خبير العلوم الغذائية في وزارة الاقتصاد والتجارة في حديثه الى ”بيروت توداي“: نحن كسلطة رقابية مخولة بموجب المراسيم التطبيقية بالكشف على البضاعة وسحب العينات منها ولدينا مختبرات معتمدة لفحص البضائع من بينها مختبر معهد البحوث الصناعية التابع لوزارة الصناعة، لكن قمنا منذ إبلاغنا بإقفال المختبر بتحويل العينات إلى مختبر آخر كي لا تُعرقل عملية الكشف على البضائع وأرسلنا العينات إلى مختبر مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية التابعة لوزارة الزراعة. لفت إلى ان العينات كانت تُرسل سابقاً لأكثر من مختبر تجنباً للضغط لكن استثنائياً سيتم ارسال العينات الى مصلحة الأبحاث الزراعية فقط.

ولجهة التنسيق بين الوزارات، يوضح بو يزبك أنه بموجب المرسوم 12/253 الصادر عام 1969 تم تحديد الجهة الرسمية المخولة بالكشف على المستوردات والتأشير عليها وتقسيم المنتجات الغذائية بحسب نوعها بين منتج حيواني أو غذائي أو غير ذلك وإعطاء صلاحية الكشف لكل وزارة حسب نوع المنتجات بمعنى أن كل وزارة أو جهة رسمية معنية بالكشف على مواد مستوردة محددة لمعرفة مدى مطابقتها قبل إعطائها الإذن للدخول الى السوق.

وهنا لا بد من السؤال: ألم يكن من الأجدى تشكيل لجنة طوارئ موحدة وممثلة فيها الوزارات المعنية (إقتصاد وزراعة وغيرها) وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية لتسهيل عمليات الكشف على البضائع وإخضاعها الى الفحوص المخبرية؟ أليس 14 يوماً بالوقت الكافي لفحص المواد المستوردة وتحديد صلاحية دخولها الى السوق أم لا؟

هل من نقص بالمواد؟

وعلى الرغم من ازمة وجود كميات كبيرة من المواد الغذائية المستوردة في مرفأ بيروت إلا أن مخزون البضائع المتواجدة في السوق إضافة الى الكميات المستوردة حديثاً تعد كافية لحاجات الإستهلاك ولا أزمة نقص فيها على الإطلاق وقد سبق لمدير عام الإقتصاد ابو حيدر أن أكد بأ ن لا فقدان لأي سلعة وهو ما شدد عليه ايضاً بحصلي ”فلا نقص بالمنتجات الغذائية على الإطلاق وعملية الإستيراد مستمرة“.

ماذا عن الأسعار؟

وليس بعيداً من ملف كفاية المواد الغذائية في الأسواق ماذا عن ضبط الأسعار؟ ولماذا لم يلمس المواطنون انخفاضاً في مستويات الأسعار على الرغم من تقديم الدعم المالي لاستيراد مئات المواد الأولية والمنتجات الغذائية؟ يوضح أبو حيدر في حديثه أن وزارة الإقتصاد استأنفت عملها وجولاتها الرقابية على الأسواق تدريجياً بعد تباطؤ العمل عقب انفجار المرفأ. ”وهناك التزام بالأسعار المدعومة للمنتجات المحدّدة في كبرى المتاجر (السوبر ماركت والهايبر ماركت) لكن يبقى الأهم أن نتمكن من ضبط الأسعار في المناطق والقرى وفي المتاجر المتوسطة والصغيرة“، يقول أبو حيدر.

ويشرح المدير العام بأن دوريات الوزارة تتم عبر الكشف على فواتير المؤسسات التجارية لتبيان ما إذا كان شراء البضائع تم وفق سعر صرف عال أم وفق السعر الحالي أي 7000 ليرة للدولار وهو ما يقل كثيراً عن مستوياته المرتفعة سابقاً والتي وصلت الى حدود 9500 ليرة للدولار. والنتيجة أن الفواتير هي التي تحدد التزام المؤسسات أو مخالفتها، مضيفاً أن مراقبي وزارة الإقتصاد يعملون ”باللحم الحي“ لصعوبة المهام الموكلة إليهم بالمراقبة والمتابعة لكافة المنتجات من محروقات إلى مواد غذائية الى ألمنيوم وغير ذلك.

ويلوّح أبو حيدر بشكل حاسم بوقف الدعم للتجار في حال لم تشهد السلع المدعومة انخفاضاً ملموساً في أسعارها كما لن تتردد الوزارة في استرداد مبالغ الدعم المقدم لتلك السلع… هو تحذير جدي فهل يلق نتيجة؟