المير: فيلم وثائقي من إخراج جان رطل عرض للمرة الأولى في تاريخ ١٧ تموز في مركز “بيت الفن الثقافي” في الميناء، طرابلس. يروي هذا الفيلم قصة أحمد المير الأيوبي “أبو حسن”، ابن مدينة الميناء طرابلس الذي ناضل من أجل العمال والصيادين. انتسب احمد المير إلى الحزب الشيوعي اللبناني وأصبح عضو اللجنة المركزية والمكتب السياسي، والمسؤول عن منطقة شمال لبنان في الحزب إلى حين اغتياله في العام ١٩٧٩.


تم عرض الفيلم الجديد في عرضين متتالين لتفادي الاكتظاظ بسبب كورونا، في حضور أبناء طرابلس والميناء وعائلة المير وعدد من رفاقه. 

قبيل العرض، ألقى المخرج جان رطل كلمة استعرض فيها الصعوبات التي واجهته اثناء انتاج الفيلم حيث إنه لم يستطع الاستحصال على أرشيف يوثق تلك المرحلة باستثناء بعض الصور والمقاطع من المقالات في الصحف.

بالنسبة لرطل، كان للفيلم جانبين اثنين: الأوّل هو تكوين صورة شاملة عن سيرة هذا القيادي الشيوعي، من خلال معاصريه من أصدقائه ورفاقه، اضافة الى كل ما توفر لديه من وثائق وصور عن تلك الحقبة التي عاصرها.

أما الجانب الثاني والضمني ولربما الضروري بالعموم هو تقديم تحية لجيل من العاملين في السياسة في خلفية عقائدية مختلفة عمّا نعيشه اليوم من انفصال عما يسمى بالعمل السياسي عن الواقع والشارع.

بالنسبة لابنه زياد، بدأ هذا المشروع منذ أكثر من ٣٠ عامًا، حين اغتيل والده وهو لم يتجاوز العامين. كان زياد يسمع الروايات عن أبيه بينما كان يمشي في أزقّة الميناء عندما يعرف الناس انّه ابن “أبو حسن”، حتى أصبحت هذه الروايات بمثابة الأسطورة لديه. ويضيف الابن أنه عمل على هذا المشروع كي يجسّد هذه الاسطورة ويجعلها حقيقة مرئية على أرض الواقع. وبالنسبة إليه، فإن هذا الفيلم او المشروع بقي ناقصًا في وجدانه إذ أنّه لم يتمكّن من معرفة صوت والده الحقيقي.

نأتي الى طرابلس، ثاني أكبر مدن لبنان وأفقر مدن ساحل المتوسّط. يقارب معدل الفقر فيها  ٥٧ بالمئة علمًا أن أغنى أغنياء لبنان من مدينة طرابلس. فالمدينة المهملة منذ ما قبل الحرب الأهلية تسودها فكرة نمطية أنها لم تنفض غبار الحقن الطائفي ورواسب الحرب مما جعلها على شفير الاضمحلال الاجتماعي والاقتصادي.


أيضا للقراءة: في طرابلس ”أم الفقير“… خط رفيع يفصل بين أغنى أغنيائها وأفقر فقرائها


مع اندلاع انتفاضة أكتوبر، سميّت طرابلس بعروس الثورة وقيل إنها استيقظت اخيرًا وأن الفكر والعمل الثوري جديد عليها إلا أن هذا النوع من العمل كان جزءًا من المدينة لسنوات خلت.

وبهذا، فإن الفكر الثوري ليس جديدًا على طرابلس، وفيلم المير خير دليل على ذلك. طرابلس لطالما كانت مدينة غنية بالفكر والعمل السياسي الثوري، فرواية أبو حسن وشهادة أكثر من ٤٢ متحدثًا، عدد كبير منهم من الشيوعيين السابقين الذين كانوا منخرطين في العمل السياسي في المدينة، دليل على وجود الفكر الثوري ما قبل الحرب الأهلية.

تأسست أول منظمة شيوعية في طرابلس عام ١٩٢٨. في مذكرات نقولا الشاوي، يروي أنه حتى في ثلاثينيات القرن الماضي كان هناك عمل شيوعي في طرابلس، وتمكن الحزب الشيوعي من حشد حوالي ١٦ ألف شخص في تظاهرة تضامنية مع ليبيا ضد الاستعمار الايطالي.

وفي مقابلة مع بيروت توداي، يقول رياض الأيوبي، عضو في قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي – محافظة الشمال، الفيلم جميل جدًا، لكن هناك العديد من الأشياء كان يمكن ذكرها مثل فترة ما قبل أن يصبح أبو حسن عضو قيادي في الحزب، وأن الفيلم يستعرض أحداث جمعته مع أعضاء في الحزب لكن كان بإمكانها أن تكون متنوعة أكثر مثل نضاله مع الصيادين والنقابات والعلاقة مع الناس الذين كانوا ينظمون المسيرات ويعملون على تعبئة الشيوعيين وغيرهم“.

لذلك، فإنه من غير المعلوم إن كان هذا الشيء استثنائي أو خاص بطرابلس، لكن الأيوبي يعتبر أن السبب الأهم لتوثيق العمل السياسي اليساري في طرابلس هو تميّز قاعدة الحزب والقيادات.

على سبيل المثال، احمد المير كان رجلًا عاديًّا من الناس الفقراء، وابو رفيق حجازي كذلك. أيضًا محمد صافية، المسن الذي ظهر مرارًا بالفيلم، من الناس الذين تعلموا القراءة والكتابة في السجون، عدا عن النضال في أيام العمل السري.

وعلى عكس الرأي السائد والحالة الموجودة عند الكثير من التنظيمات السياسية حاليًّا، كانت المساكن والحارات الشعبية فيها نساء تنظم المسيرات وتشارك بالعمل السياسي مثل خدّوج

خدوج، كانت المعيلة الوحيدة لأولادها والعاملة في مرفأ طرابلس. عادت الى طرابلس من سوريا حاملةً رشاشين بعد اعتصامها الذي دام ستة أيام أمام مقر الحكومة السورية في دمشق متحدّيةً جهاز أمن المخابرات مطالبة بإطلاق سراح أبناءها المخطوفين في سجون البعث هناك. صورتها طُبعت في ذاكرة الذين عايشوا تلك المرحلة.

وكانت خدوج مقصد كل المظلومين في المدينة. تطوف على المتاجر والمدارس وتتأكّد من إغلاقها قبل انطلاق التظاهرات الشعبية للمطالبة بحياة أفضل لطبقتها وصولاً للتعبئة ضد الاجتياح الإسرائيلي للبنان.

المير | تظاهرة نسائية بطرابلس، سنة ١٩٨٢، للتضامن مع الجنوب ضد الاجتياح الصهيوني.
تظاهرة نسائية بطرابلس، سنة ١٩٨٢، للتضامن مع الجنوب ضد الاجتياح الصهيوني.

اضافة لخدّوج، يذكر الجميع أبو رفيق حجازي الذي عاش مع المير في المساكن الشعبية ذاتها والتي كانت تُعرف بحارة التنك. في دردشة مع كبار السن في الميناء يمكن تجميع صورة كاملة عن جهده في مختلف المحطات النضالية مثل ثورة ١٩٥٨، ودعمه العمل الفدائي في لبنان، اضافة لمظاهرات العمّال والصيادين.

يُحكى أنه دفع كل ما لديه من المال لشراء بعض اللحم لمهمّة حزبيّة. أبو رفيق ليس إنسان غريب عن بيئته لكنه دليل على أن المهمّشين/ـات الطبقة العاملة لديهم موهبة التنظيم والعمل السياسي حتى في ظلّ الفقر والقمع.

إصدار أحمد زكي أفيوني لجريدة الصرخة الثورية اليسارية بين عامي ١٩٤٧ و١٩٥٣ هو أكبر دليل على تأصل هذا الفكر الثوري في طرابلس ويثبت عكس الفكرة السائدة، فاليسار كان الأقوى في الشمال وتحديدًا طرابلس حتى عام ١٩٨٣حين انكفأ العمل اليساري في لبنان بعدها.

في مقابلة مع المدن، يقول جهاد جنيد، أحد الناشطين في طرابلس، أن عدد كبير من اولاد طرابلس كانوا لا يعلمون أو لا يعترفون بوجود شيوعيين في طرابلس قبل انتفاضة ٢٠١٩. وهم نفسهم أصيبوا بنكسات تاريخية في المدينة، أقصاها كانت المجزرة التي ارتكبتها حركة التوحيد الإسلامية في الميناء عام ١٩٨٣، لتتخذ المدينة طابعًا اسلاميًا بعدها، ويصبح الانتماء إلى الحزب الشيوعي من المحرمات، وعاش الشيوعيون خطرًا أمنيًا كبيرًا.

المير مقال
مسيرة بعنوان ”عودة الشيوعيين الى طرابلس“ سنة ١٩٨٥ بعد تحريرها من حركة التوحيد الإسلامية.

على الرغم من انكفاء العمل السياسي في المدينة، بقي له آثار في مناطق وأحياء عدة. تشهد أحياء منطقة الميناء على جداريّات ثورية، وذلك دليل على ترسّخ هذا الفكر في ذاكرة ورواية ابناء المدينة الى أن اندلعت احتجاجات ١٧تشرين وأعطت فرصة جديدة للمجموعات الثورية اليسارية للتنظيم من جديد في ساحات النضال. 

فيلم المير هو تذكير بـبداية الغاء الأحزاب السياسية وبداية محو ذاكرة جيل عمل على قضايا لم تعد من ألف باء الحضور السياسي في البلد.

هذا الفيلم لأهل طرابلس وعمالها، لمناضلين/ات المدينة، للتذكير والحفاظ على تاريخهم بعد محاولات السلطة الحاكمة والطبقة السياسية المهيمنة على المدينة بتهميش العمل الثوري وشيطنته بالإضافة إلى طمس التاريخ النضالي للمدينة وأهلها خدمةً لأجنداتهم ولكن أتى هذا العمل لإعادة إحياء هذه الذاكرة المطموسة.

يمكن مشاهدة فيلم المير على اليوتيوب.