منذ أكثر من شهرين متواصلين يتخبّط المواطن اللبناني بأزمة المحروقات، أمام أعين وزارة الطاقة وكافة المعنيين. تطول أرتال السيارات وطوابير الذل أمام محطات المحروقات وخلف أبواب مصافي النفط ولا حياة لمن تنادي، يتقاذفون المسؤوليات بين الشركات المستوردة للنفط ووزارة الطاقة ومحطات المحروقات والموزعين في حين أن المعطيات والوقائع تؤكد تواطؤ كافة الاطراف من دون استثناء على حرمان السوق من حاجاته من البنزين والمازوت لتحقيق أرباحاً مضاعفة من خلال بيعه في السوق السوداء.

وبالرغم من تطمينات وزير الطاقة ريمون غجر بأن أزمة الكهرباء والمحروقات قد حُلّت والبواخر وصلت تباعاً والتغذية الكهربائية ستتحسن تدريجياً، لم يصدق في أي من وعوده، فالكهرباء تغيب بشكل شبه كلّي عن بيروت والمناطق وتصل ساعات التقنين الكهربائي الى نحو 21 ساعة يومياً، والمازوت ينفذ تدريجياً من المناطق ويُباع في السوق السوداء ويتم احتكاره وقد وصل سعر الصفيحة منه الى 50 آلف ليرة في بعض المناطق.

تدور أزمة المحروقات والكهرباء في حلقة مفرغة بين وزارة الطاقة والشركات المستوردة للنفط والمحطات وكافة الأطراف المعنيين بالأزمة، فلدى الجميع تفسيرات وتأويلات وذرائع تبرّر تقصيرهم أما النتيجة فلا محروقات ولا كهرباء ولا مستشفيات ولا اتصالات تجنّب المواطن اللبناني مشهد الحرب الأهلية الذي يستحضره كل يوم.

تقنين واحتكار

يرى تجمع الشركات المستوردة للنفط أن الكميات المستوردة من المحروقات تكفي حاجة الإستهلاك المحلي ولكن ”شرط ان يتوقف التهريب خارج البلد وأن تنخفض ساعات التقنين الكهربائي“ على ما تقول مستشارة التجمع دانيا عون في حديث الى ”بيروت توداي“، فالتهريب عبر الحدود لم يتوقف يوماً والمولدات الكهربائية تضاعفت ساعات تغذيتها بشكل كبير في ظل غياب التيار الكهربائي لأكثر من 21 ساعة يومياً في بيروت وكافة المناطق.

وتلفت عون الى أن سبباً إضافياً يعزّز أزمة المحروقات وهو التباطؤ في فتح اعتمادات مالية للشركات لاستيراد المحروقات، فمصرف لبنان لا يتيح فتح اعتمادات مالية للشركات لاستيراد كميات إضافية من المازوت ”الأمر الذي يدفع بالشركات أحياناً الى تأمين المبالغ المالية المطلوبة من السوق“، وفق ما تؤكد عون.

وليس البنزين بمنأى عن الأزمة فالمحطات بدأت بتقنين بيع البنزين وبعضها توقف عن البيع كلياً بسبب فقدان مادة البنزين وقد تردّد بأن ازمة شح البنزين تعود لسوء العلاقة مؤخراً التي تربط بين الشركات المستوردة ومصرف لبنان والتي أخرت بدورها دخول الشحنات المتواجدة في الوقت الراهن على الساحل اللبناني. وتتلخّص المشكلة بأن مصرف لبنان يصر على استلام كامل المستندات قبل سداده قيمة الاعتماد المالي وبعد تفريغ البواخر أما الشركات المستوردة فلديها مطالب أخرى لتفريغ البضاعة، وقد أدى شد الحبال بين الطرفين الى فقدان مادة البنزين كما المازوت.

في ملف المازوت وبخلاف ما يدّعيه تجمع الشركات المستوردة للنفط فإن ما لا يقل عن عشر شركات من أصل 13 شركة، تقوم بتخزين المازوت واحتكاره بما لا يقل عن 10 مليون ليتر لكل منها، وفق مصدر متابع في حديث لـ”بيروت توداي“.

ويعود سبب احتكار مادة المازوت من قبل الشركات المستوردة وحتى من قبل بعض المحطات الى استهداف بيعه بأسعار مرتفعة لاحقاً خصوصاً أن هناك توجه لدى الحكومة ووزارة الطاقة الى رفع سعر المازوت الرسمي في السوق اللبنانية الى مستويات تقارب 25 ألف ليرة للصفيحة بهدف لجم تهريبه الى سوريا بحيث يصبح سعر الصفيحة في لبنان أعلى من تلك المباعة في السوق السورية والتي تقارب 22 ألف ليرة.

المحطات والسوق السوداء

أما محطات المحروقات فحدّث ولا حرج إذ بات واضحاً تواطؤ فريق من أصحاب المحطات مع الشركات المستوردة للمحروقات بحيث تنال بعض المحطات حصة الأسد من توزيع الشركات المستوردة للنفط في حين تُحرم مئات الشركات من المحروقات ما دفع بأعداد كبيرة منها الى رفع خراطيمها وإقفال أبوابها.

وبحسب مصادر مطلعة لـ”بيروت توداي“ فإن عدداً من البلديات وبعض النافذين حزبياً، عمدوا إلى شراء كميات كبيرة من المازوت والبنزين وقاموا بتخزينها تفادياً لأي أزمة محتملة. أضف الى أن بعض محطات المحروقات تتواطأ مع الشركات المستوردة وتحظى بمعاملة فريدة فتحصل على كميات من المحروقات دون سواها، حتى أن بعضها تقوم بتخزين المحروقات وبيعها في السوق السوداء.

وقد وصل سعر صفيحة المازوت في السوق السوداء الى نحو 50 ألف ليرة وفق المصدر، في حين وصل سعر صفيحة البنزين الى أكثر من 30 ألف ليرة، كما اتُهمت منشآت النفط ببيع أقل من نصف كمية المحروقات بالسعر الرسمي في حين كانت تُلزم المشترين بالتوقيع على استلام كميات أكبر، ثم تبيع فارق الكميات في السوق السوداء، وقد أكد أكثر من مصدر لـبيروت توداي” هذه الإتهامات واصفاً أحدهم منشآت النفط في الزهراني بمغارة علي بابا.

وبعد فضيحة بيع المحروقات في السوق السوداء واحتكاره من قبل المنشآت والمحطات والشركات المستوردة تقدمت مجموعتا ”الشعب يريد اصلاح النظام“ و”المرصد الشعبي لمحاربة الفساد“ ممثلتين بمجموعة من المحامين بإخبار لجانب النيابة العامة التمييزية ضد كل من يظهره التحقيق بجرم احتكار مادة المازوت والتلاعب بأسعارها وتخزينها لبيعها في السوق السوداء سنداً للمواد 1 و 7 و 8 من المرسوم الاشتراعي رقم 33/67 والمادة 43 من المرسوم رقم 38/23 والمادة 685 من قانون العقوبات.

المولدات وابتزاز المواطن

ولأن الجشع بات سمة المرحلة الراهنة حذا أصحاب المولدات الكهربائية الخاصة حذو سائر التجار والمحتكرين فعمدوا الى تقنين ساعات التغذية بسبب شح مادة المازوت ورفعوا في المقابل تعرفة الخدمة الى حدود الضعف بحيث باتت تفوق التعرفة الرسمية المحددة دورياً من قبل وزارة الطاقة ضاربين عرض الحائط كل المعايير والضوابط التي تحكم علاقتهم بالمستهلكين.

وعلى الرغم من مضاعفة عدد كبير من أصحاب المولدات الكهربائية تعرفة الإشتراك سواء عبر عدّاد أو من دونه، أعلن تجمع مالكي المولدات الكهربائية الخاصة في لبنان عن تنفذ إضراب وإطفاء المولدات قبل أن يعود ويتراجع عن قرار الإضراب بعد تدخل المدير العام للأمن العام عباس ابراهيم والتعهد لأصحاب المولدات بالسعي لتأمين المازوت وبالسعر الرسمي.

وأوضح رئيس التجمع عبدو سعادة في حديث ”بيروت توداي“ أن أصحاب المولدات يسعون الى الحصول على كميات كافية من المازوت بالسعر الرسمي من المنشآت بشكل دائم وليس مؤقتاً وليس من السوق السوداء خصوصاً أن ساعات التقنين الكهربائي باتت تفوق 20 ساعة يومياً والمولدات تتعرض لضغوط كبيرة وتكاليف عالية. 

ولم يتردّد سعادة من التلويح بالعودة الى الإضراب ما لم يتم التجاوب مع مطلب آخر لأصحاب المولدات هو رفع التعرفية الرسمية المحدّدة من قبل وزارة الطاقة، مستنداً سعادة الى أن ”التكاليف الباهظة التي يتكبّدها اصحاب المولدات على صيانة مولداتهم الكهربائية وتغيير الفلاتر والزيت وقطع الغيار وغير ذلك بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار الى حدود 8000 ليرة راهناً“ وفق ما يقول سعادة.

وبعد تفاقم أزمة شح المازوت وتأثيرها على عمل المستشفيات وتهديدها لحياة مرضى وتعطيل الكثير من القطاعات القائمة على التغذية الكهربائية ارتأت الحكومة تحديد آلية لتنظيم توزيع مادتي المازوت والبنزين.

بدأ تطبيقها منذ أيام بشكل رسمي، وتقوم الآلية الجديدة على أساس تتبع كميات المازوت من قبل الأمن العام والجمارك بدءاً من الشركات المستوردة للنفط مروراً بمنشآت النفط وشركات التوزيع ووصولاً إلى محطات المحروقات، ومن المفترض أن تقوم هذه الآلية على الطلب من الشركات المستوردة للنفط وموزعي المحروقات إيداع وزارة الاقتصاد بشكل أسبوعي لائحة مفصلة بالكميات المباعة وبالزبائن الذين اشتروا مادتي البنزين والمازوت سواء الشركات أو محطات الوقود أو أصحاب المولدات، وذلك عبر بريد إلكتروني محدد، بالإضافة إلى معلومات عن الكمية المشتراة والسعر.

تلك الآلية من المتوقع أن توضح وجهة المازوت والبنزين بشكل دقيق وبالتالي ستمكّن السلطات الرسمية من محاسبة أي محتكر أو مخالف فيما لو صدقت النوايا.