أكثر من 80 انتهاكا تعرض له العاملات والعاملين في قطاع الصحافة من بداية العام 2020. 7 إصابات بالغاز والحجارة، 3 إصابات بالرصاص المطاطي، إصابة بالرصاص الحي، 20 حالة ضرب وشتم. 12 استدعاء أمني و4 اعتقالات. 21 حكما قضائيا. هذه العيّنة من الانتهاكات نشرها تجمع ”نقابة الصحافة البديلة“ عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، طارحا سؤال حول ما تبقى من هذه الحرية في لبنان.

وقد أشار تجمع ”نقابة الصحافة البديلة“ إلى أننا ”أبعد ما يكون عن حريّة القطاع وحقوق العاملين/ات فيه، من الملاحقة الجائرة والقمع مروراً بتكريس التطبيل وصولاً إلى الاقتطاع من الأجور والصرف التعسفي. كان العام الماضي وبداية العام الحالي، من الانتفاضة وصولاً إلى كورونا، دليلاً على ذلك“. وقد دعا التجمع كافة العاملين في القطاع لمشاركة صورا وشهادات عن قمع السلطة عبر وسم #الحرية_للصحافة، ”كي نؤكد رفضنا استمرار النهج القمعي الخطير، ونتّحد في الدفاع عن صوتنا، كصحافيين وكمجتمع، وعن حقوقنا، وحرياتنا“.

لبنان في المرتبة 102

حاز لبنان على المرتبة 102 في نسخة 2020 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة المعد من قبل منظمة مراسلون بلا حدود، من أصل 180 دولة شملها التصنيف، مسجلا تراجعًا بمرتبة واحدة عن نسخة العام 2019 من التصنيف. هذه المرتبة المتدنية ما هي إلا مؤشر على واقع حرية الصحافة في لبنان بعيدا عن موشحّات ”بلد الحريات“ وظنّ الكثيرين بأننا نتنعّم ب”حرية رأي وتعبير“ نتباهى بها عند كل مناسبة تتاح أمام بعض المسؤولين السياسيين والإعلاميين.

مؤسسة سمير قصير سجّلت في شهر آذار فقط عشرات الانتهاكات بحق الصحافيّين والناشطين وكان أهمها: إطلاق مجهولين الرصاص على مكتب مراسل راديو ”دلتا نورث“ الصحافي شعيب زكريا في عكار (29/3)، والاعتداء على طاقم قناة ”LBCI“ أثناء تصويره على متن طائرة آتية من الرياض إلى بيروت (14/3). وفي حين حقّق مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية مع الناشط يوسف عاصي بسبب منشور على ”فايسبوك“ (5/3)، استدعى مكتب المباحث الجنائية كلاً من الصحافي والكاتب نوفل ضو بسبب تغريدتين (11/3) والدكتور هادي مراد إثر مشاركته في برنامج ”صار الوقت“ (13/3)، وأجبرت عناصر من القوى الأمنية المخرج والكاتب المسرحي والناشط هاشم عدنان على مسح فيديو لخِيَم الثوار التي تمّ تكسيرها من قِبل عناصر أمنية في وسط بيروت (28/3)، وتعرّضت الناشطة ورد عبود على مدى يومين لحملة تحريض وشتم وتهديد بالضرب والاغتصاب على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب منشورات لها على ”فايسبوك“ (29/3). كما ادّعت القاضية غادة عون على الخبير الاقتصادي الصحافي حسن مقلّد والإعلامية في قناة ”OTV“ جوزفين ديب بجرم ”القدح والذمّ والتشهير“ وأحالت الادّعاء إلى محكمة المطبوعات (19/3).

وفي هذا الصدد، طالبت منظمة مراسلون بلا حدود السلطات اللبنانية باتخاذ كل التدابير اللازمة لتمكين الصحفيين من مواصلة القيام بعملهم في هذه الفترة الحيوية التي تشهدها البلاد. فأشارت المنظمة في تقريرها المرتبط بالتصنيف العالمي لحرية الصحافة أن ”هناك حرية حقيقية في التعبير في وسائل الإعلام اللبنانية، ولكن هذه الأخيرة تظل مسيَّسة للغاية ومستقطبة إلى حد بعيد، إذ تُعتبر الصحف والمحطات الإذاعية والتلفزيونية أدوات دعاية لبعض الأحزاب السياسية أو رجال الأعمال“. ويُذكر بأنّ القانون اللبناني يجرّم التشهير والقدح ونشر معلومات كاذبة، وإن كان يخصص لها تعريفات فضفاضة للغاية. كما يلاحَظ استخدام جهاز القضاء كأداة لملاحقة وسائل الإعلام والصحفيين الذين ينتقدون أو يعدون تقارير صحفية أو استقصائية تطال – بشكل مباشر أو غير مباشر- الشخصيات السياسية أو الدينية ذات النفوذ. ففي السنوات الأخيرة، لاحقت المحاكم بعض المذيعين لمجرد إتاحة الفرصة لضيوفهم لانتقاد السلطات اللبنانية، علماً بأن نفس المصير طال أيضاً بعض الصحف لقيامها بالتحقيق في الفساد. وعادة ما يمثل الصحفيون أمام المحاكم -المدنية أو حتى العسكرية أحياناً- إذ غالباً ما تُفرض عليهم غرامات مالية، علماً بأنهم مهددون بالسجن دائماً.

تعتبر المنظمة أن انتفاضة 17 تشرين الأول كسرت خطوطَا حمراء عدة أبرزها تلك المتمثلة في عدم انتقاد الشخصيات النافذة، بحيث تكثفت الهجمات على وسائل الإعلام خلال المظاهرات، حيث تستخدم الشرطة القوة استخداماً غير متناسب وتهاجم الصحفيين بعنف، حتى وإن أدلوا بما يثبت أنهم يمارسون عملهم الإعلامي. وبدورهم يتعرض المراسلون الذين يعملون لوسائل الإعلام المقربة من السلطة إلى سوء المعاملة من قبل المتظاهرين الذين يشككون في مصداقيتهم، بينما يُتهم آخرون بالخيانة عندما ينقلون معلومات لا ترضي أبناء طائفتهم.

كما لا يُستثنى المدونون والصحفيون الإلكترونيون من هذه القاعدة، إذ يمكن أن تكلفهم منشوراتهم على منصات التواصل الاجتماعي استدعاءً من مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية عقب تلقي شكوى من جهة خاصة، غالباً ما تكون من شخصية بارزة لها صلة بالحكومة.

فمنذ السابع عشر من تشرين الأول 2019، تاريخ بدء الانتفاضة الشعبية المناهضة للسلطة السياسية، سلسلة من الاعتداءات طالت الصحفيين. منها مثلا ما تعرّض له الصحفي الاقتصادي محمد زبيب من هجوم من قبل ثلاثة أشخاص في موقف للسيارات في شارع الحمراء بالقرب من مكان تنظيم ندوة اقتصادية شارك فيها.  تبين لاحقا بحسب تحقيقات فرع المعلومات بأنّ هؤلاء المجهولون هم مرافقو رئيس مجلس إدارة بنك الاعتماد مروان خير الدين، إلا أنهم أفادوا خلال التحقيق معهم بأنهم أقدموا على فعلتهم دون علم الأخير. وتأتي خلفية الاعتداء على زبيب على خلفية قيام الأخير بفضح ”الأوليغارشية“ الحاكمة عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث نشر وما زال ينشر آراءه وتحليلاته الاقتصادية المدعّمة بالأدلة والمستندات والتي تكشف سياسات السلطة السياسية التي تخدم طبقة الـ1 بالمئة على حساب سياسات تجويع اللبنانيين.

صرف تعسفي واقتطاع من الرواتب

انتهاكات إضافية يتعرض لها العاملون في مجال الإعلام، ولكن من قبل أصحاب المؤسسات الإعلامية أنفسهم. منذ بداية الأزمة الاقتصادية عمدت مؤسسات عدة على صرف موظفين، واقتطاع نسب من الرواتب وصلت إلى 50 بالمئة، وحوّلت قسما من الموظفين الثابتين لديها إلى ”متعاونين“ (freelancers) بعد أن أوقفت العمل بعقودهم، لتخفف المؤسسات عن نفسها أعباء مالية، وتسلب من هؤلاء العاملين الضمانات الاجتماعية كالضمان الصحي وتعويض نهاية الخدمة والاستقرار الوظيفي.

كما لا يزال موظفو تلفزيون المستقبل يطالبون بالحصول على مستحقاتهم من إدارة التلفزيون وصاحب المحطة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، وهي عبارة عن أشهر عديدة لم يتقاضوا راتبا مقابلها سبقت قرار إقفال التلفزيون. والحال نفسه بالنسبة لموظفي جريدة الحياة الذين لم يحصلوا على حقوقهم في مستحقات الصرف التعسفي الذي طالهم بعدما اتخذت الجريدة قرار إقفال مكتبها في بيروت.