مكافحة الهدر في الموازنة

ان هذه الأهداف ليست مستحيلة التحقيق بل هي تحتاج الى حكومة قادرة على الامساك بزمام الامور والعمل بجدية على وقف الهدر والحد من الانفاق غير الضروري في الإدارات العامة من خلال سلسلة اجراءات جذرية.

أقر المجلس النيابي موازنة العام 2019 بعد تأخير استمر اشهراً قليلة وتمت إحالتها من قبل حكومة “الى العمل” بعجز لم يتجاوز 7% على الناتج المحلي.
وبالتالي فقد احترمت الحكومة وعدها لمؤتمر سيدر بتخفيض العجز بمعدل 1% سنويا.
كان لا بد من قراءة هذا الخبر في الصحف لو أن المسؤولين كانوا فعلا مصممين على البدء بتنفيذ الإصلاحات الضرورية لتخفيض العجز وإقرار قطوعات الحسابات العامة، لان هذا الامر يبقى الطريقة الفضلى لمراقبة الانفاق ووقف الهدر. ولكن، ويا للأسف، الاصلاحات المفترضة تأجلت طويلا حتى وصل عجز الموازنة الى 11% وبات الدين العام يتجاوز ال 150% على الناتج المحلي.
ولكن وعلى رغم هذا الواقع المرير ما زال بإمكاننا تحقيق وعود “سيدر” بتخفيض العجز الى 5% من الناتج المحلي خلال السنوات الخمس المقبلة في حال توفرت الارادة السياسية لدى المسؤولين لمواجهة هذا الواقع المرير من خلال تحديد الاهداف والالتزام بها بشكل واضح وصريح، على ان نصل الى نسبة معقولة بحدود ال 3%.
ان هذه الأهداف ليست مستحيلة التحقيق بل هي تحتاج الى حكومة قادرة على الامساك بزمام الامور والعمل بجدية على وقف الهدر والحد من الانفاق غير الضروري في الإدارات العامة من خلال سلسلة اجراءات جذرية ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
– اصلاح الكهرباء: ان اصلاح هذا القطاع سيضع حدا لمرض عضال يكلف الخزينة مبلغا يتجاوز المليار نصف المليار دولار سنويا. على الخطة الإصلاحية للكهرباء أن ترتكز على استغلال كل معامل الإنتاج اللازمة في إطار إصلاحات شاملة وجذرية وغير مؤقتة عبر تطبيق قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص وانشاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء والبدء الفوري بالعمل لتخفيض الهدر التقني وغير التقني.
– اصلاح الادارات العامة: وهي عملية ضرورة لتخفيف وطأة الانفاق في القطاع العام لا سيما وأن رواتب الموظفين في هذا القطاع تشكل 39% من مجمل الانفاق في لبنان (مقارنة بمعدل ١٥% للبلاد الأكثر تطورا). كما لا بد للحكومة وقف التوظيفات لمدة سنة كاملة في مختلف إداراتها بما فيها الجيش والقوى الأمنية على ان يكون التوظيف والتطويع في السنوات الأربع اللاحقة مساوياً لنصف عدد المتقاعدين السنوي ومحصوراً بمجلس الخدمة المدنية.
في موازاة ذلك لا بد من وضع دراسة وصفية شاملة للعاملين في القطاع العام، تُبين أعدادهم، وإنتاجيتهم من عدمها، كما لا بد من احصاء الشواغر والفوائض، ليصار على أساسها الى تحديد الحاجات على المديين القصير والمتوسط. هذه العملية ستسمح بالقيام بتوزيع واضح لهذه الموارد والقدرات ووضعها في المكان الصحيح والطبيعي من خلال حاجات القطاع العام.
– توحيد صناديق التقاعد والتعاضد العائدة الى القطاع العام الأمر الذي سيؤدي الى وضع حد للهدر مع التأكد في الوقت نفسه من أن جميع المستحقات ستكون أقل سخاءً ولكن أكثر عدلاً.
– إقرار قانون حديث للصفقات العمومية، تخضع بموجبه جميع هذه الصفقات في القطاع العام لإدارة المناقصات العمومية. ما سيسمح بوقف مزاريب الفساد وإيقاف الصفقات بالتراضي في القطاع العام.
ان معظم هذه الاجراءات قابلة للتنفيذ بسرعة مع العلم ان بعضها يحتاج الى مزيد من الوقت ولكنه لا يحتمل التأجيل. ان الطاقم الحاكم يجب أن يظهر فورا نيته في عمل مبني على شفافية مطلقة في ادارة القطاع العام، والانتقال سريعا الى الحكومة الإلكترونية. على ان تترافق هذه الخطوة مع خفض الإنفاق على المساهمات للهيئات التي لا تتوخى الربح ووضع معايير واضحة مستقبلا لهذه المساهمات، وإنشاء حساب موحد للخزينة تُودع فيه جميع الأموال العامة لتأمين إدارة ورقابة فعالتين لفائض الأرصدة الموجودة في حسابات الدولة والمؤسسات العامة.
في الختام ان الطبقة السياسية يجب ان تكون المثال الذي يحتذى من خلال التصويت على قانون إلغاء تعويضات النواب السابقين واعادة النظر بالمصاريف الاستهلاكية لاسيما الحد من الرحلات الخارجية للمسؤولين الرسميين.

ان مشروع الموازنة الذي سيناقش في مجلس الوزراء ويحال الى المجلس النيابي لإقراره، سيكون بمثابة اختبار حقيقي لمصداقية الحكومة في الشروع بالإصلاحات وان غابت عنه فلا حول ولا قوة.