الإقتصاد اللبناني في ”صلب الإنهيار“… وهذه معالمه

تعبير “التراجع الإقتصادي” لم يعد ملائماً للوضع القائم في لبنان.

مظاهرة أمام مصرف لبنان في صيدا في 28 أكتوبر. (AFP)
مظاهرة أمام مصرف لبنان، صيدا. (AFP)

هل سيتعرّض الإقتصاد اللبناني الى انهيار فعلي؟ هل سينزلق لبنان الى الإنهيار الإقتصادي؟ أم أنه انزلق فعلاً؟؟

هذه الأسئلة وكل ما يدور في فلكها، يطرحها اللبنانيون بشكل يومي، بحثاُ عن إجابة واضحة تخفت نار القلق والخوف من انهيار مجهول المعالم بالنسبة إليهم، أسئلة تطرحها غالبية الفئات العمرية والإجتماعية تعكس هواجس مجتمع بأكمله يعاني غياب الدولة المؤسساتية واندثار أي الأمل بحماية إجتماعية، يعاني من الفقر والبطالة وتراجع حاد بالقدرة الشرائية، يعاني من جور الضرائب وشح التقديمات، مجتمع يعيش مواجهة يومية مع سلطة فاسدة وقطاع مصرفي يمارس سياسة الحجر على أموال الناس… ومن سوء الحال هذا نستنتج الإجابة.

نعم، لبنان في حال انهيار اقتصادي فعلي، إنهيار واضح المعالم يمكن قراءته من خلال عدة مؤشرات عنوانها الإنهيار المالي، فالإقتصاد هو نتيجة للصحّة المالية للدولة وبالتالي الإنهيار الإقتصادي هو النتيجة الحتمية للإنهيار المالي، وفق تعبير الخبير الإقتصادي حسن خليل في حديث لموقع بيروت توداي، وتعبير التراجع الإقتصادي لم يعد ملائماً للوضع القائم إذ أن لبنان دخل فعلياً مرحلة الإنهيار.

مؤشرات وأرقام

بعيداً من الإنهيار المالي واضح المعالم لا بد من الأخذ بالعديد من المؤشرات قبل الجزم بتعرّض اقتصاد بلد ما للإنهيار، أهم تلك المؤشرات مستوى الناتج المحلي الإجمالي ومساره، مدى تطور الدين العام، التصنيف الإئتماني لاقتصاد الدولة وقطاعها المصرفي، مستوى تضخم الأسعار وما يقابلها من تراجع بالقدرة الشرائية للمواطن، نسبة البطالة وسرعة ارتفاعها، استمرار عجز الموازنة وحجمه، والنمو وغيرها من المؤشرات إلا ان هذه المؤشرات أو المعالم، إذا صح التعبير، يُعد تقييمها أساسي لتحديد ما إذا دخل اقتصاد البلد مرحلة الإنهيار فعلياً. 

1- الناتج المحلي

بالنسبة الى الناتج المحلي الإجمالي وهو يشكّل أحد أهم المؤشرات التي تقيس صحة اقتصادات الدول ويعكس تقلبات ومتغيّرات السياسات المالية والنقدية، ففي لبنان خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لحجم الناتج المحلي الإجمالي من 59.7 مليار دولار في العام 2019، الى 58.6 ملياراً، وكان ذلك قبل انفجار أزمة شح الدولار وما رافقها من قيود مصرفية على حركة الأموال وما تلا ذلك من أزمات في كافة القطاعات الإنتاجية والخدماتية وتعرّضها لحالة شلل خطيرة.

الواقع المستجد في المدة الأخيرة دفع بالعديد من خبراء الإقتصاد الى تأكيد التوقعات بتراجع حجم الناتج المحلي الإجمالي نهاية العام 2019 الى ما دون 45 مليار دولار علماً انهم يقدّرون حجمه بداية العام 2019 بنحو 53 مليار دولار بخلاف تقديرات صندوق النقد الدولي.

2- الدين العام 

ليس خافياً أن لبنان يرزح تحت واحد من أعلى معدلات الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في العالم، إذ قاربت نسبته نحو 150 في المئة بما يزيد عن 86 مليار دولار، لكن المؤسسات الدولية حين تقرأ حجم الدين العام تربطه بمدى ثقة الدائنين بقدرة الدولة على سداد ديونها، من هنا لا بد من الدخول الى تصنيف لبنان الإئتماني الذي يعكس مدى الثقة بقدرة البلد على الوفاء بالتزاماته وديونه. يُذكر أن العديد من الإقتصاديين يحثون لبنان على وضع خطة لإعادة هيكلة الديون نظراً لتفاقم خطر التخلف عن السداد.

3- التصنيف الإئتماني

خفضت وكالتي التصنيف الإئتماني موديز وستاندر أند بورز التصنيف السيادي للبنان إلى Caa2 و CCC بالتتالي وهو رابع أدنى تصنيف تمنحه الوكالتان لدولة أو شركة، وذلك نظراً لتزايد المخاطر المالية والنقدية على الدولة اللبنانية، وعقب تخفيض الوكالتين تصنيف لبنان السيادي عمدتا بطبيعة الحال الى خفض تصنيف كبرى المصارف اللبنانية لارتباطها الوثيق بديون الدولة عالية المخاطر.

التصنيفات الإئتمانية الجديدة من شأنها خفض قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المحلية والخارجية، وقد لفت النائب الأوّل سابقاّ لحاكم مصرف لبنان ناصر السعيدي، في أكثر من مناسبة الى أن تصنيف لبنان الجديد رفع مستوى المخاطر على ديون الدولة، بمعنى أن المستثمرين سيطالبون قطعاً بفوائد أعلى من تلك المعمول بها على السندات حالياً، ذلك لأن المستثمر فقدَ الثقة بقدرة الدولة اللبنانية على الوفاء بديونها.

ومن الطبيعي أن ترتدّ مفاعيل خفض التصنيف الائتماني على ارتفاع الفوائد على السندات السيادية، لترتفع بدورها التكلفة على استدانة القطاع الخاص والمؤسسات والأفراد بشكل تلقائي.

4- مستوى التضخم 

تتلازم أزمة شح السيولة مع ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة ما ينعكس ارتفاعاً في أسعار السلع وتراجعاً بالقدرة الشرائية، ونظراً الى فوضى الشارع القائمة مؤخراً وغياب الحلول السياسية للأزمة ارتفع مستوى القلق بين المواطنين ما دفع بهم الى التهافت على شراء المواد الإستهلاكية بشكل كبير الأمر الذي من المتوقع أن يدفع بالتضخم الى الإرتفاع بشكل بالغ الخطورة.

ويرجّح خبراء بأن ارتفاع سعر الصرف في لبنان بنسبة تفوق 30 في المئة دفع بتضخم الاسعار الى الإرتفاع لما يقارب 20 في المئة، ونظراً لارتفاع سعر الصرف الى 2025 ليرة مقابل الدولار فذلك يعني أن العملة الوطنية تراجعت بأكثر من 30 في المئة مع ما يقابلها من ارتفاع في الاسعار الإستهلاكية وارتفاع في معدلات الفقر ومن المرجّح ان يزيد عدد الاسر الفقيرة من 250 ألفاً الى نحو 400 ألف أسرة في الاشهر القليلة المقبلة.

5- البطالة 

لا أرقام دقيقة عن البطالة في لبنان غير ان أكثر من مؤشر يؤكد وصول آفة البطالة في لبنان الى مستويات قياسية، فالبنك الدولي كان قد حذر منذ أشهر من ارتفاع معدلات البطالة في لبنان، مشيراً آنذاك الى بلوغها 40 في المئة لاسيما في صفوف الشباب، لكن ومع بدء تطبيق مصرف لبنان المركزي إجراءات وقيود على عمليات الإستيراد وحصر عملية تأمين الدولار في 3 قطاعات فقط (محروقات وأدوية وقمح) إضافة الى فرض المصارف قيود مشددة على عمليات التحاويل المالية، بالتوازي مع تدهور الاوضاع الإقتصادية في البلد، اضطرت عشرات المؤسسات والشركات الى صرف أعداد كبيرة من العمال والموظفين حتى ان العديد منها أقفل أبوابه نهائياً، وتُقدّر أعداد المصروفين بعشرات الآلاف الأمر الذي يجعل من أزمة البطالة قنبلة موقوتة.

6- مؤشرات أخرى

ولا بد من التطرق الى بعض المؤشرات الخطرة التي تعكس بدورها خطورة الوضع الإقتصادي القائم من بينها عجز الموازنات وما تعكسه من تردٍ في السياسات المالية والنقدية فالعجز بات متلازماً مع الموازنات السابقة للدولة اللبنانية رغم المحاولات الدائمة لخفضه، باستثناء موازنة العام 2020 فقد قدّر فيها العجز بنسبة 0 في المئة فيما لو تم إقرارها وتنفيذها.

أما فيما يتعلق بالنمو الإقتصادي فحدث ولا حرج إذ يقدّر النمو للعام الجاري بنحو 0.2 في المئة في أفضل الأحوال إن لم يكن سلبياً.

انهيار تام

وانطلاقاً مما تقدّم من مؤشرات وأرقام يجزم العديد من خبراء المال والإقتصادي في حديث لموقع بيروت توداي، دخول لبنان صلب الإنهيار الإقتصادي، ومن بينهم الخبير المالي تميم موسى والخبيران الإقتصاديان حسن خليل وغالب بو مصلح.

وبالنظر الى تجارب دول أخرى يرى الخبير الإقتصادي حسن خليل أن ما من دولة في العالم تعرضت للسرقة والنهب وسوء الأمانة لشعب بأكمله كما هو الحال في لبنان… ويؤكد نعم نحن في مرحلة الإنهيار المالي، والإنهيار الإقتصادي هو النتيجة الحتمية للإنهيار المالي، لافتاً الى أن الحلول لا يمكن ان تتبلور من دون تصحيح مالي وضخ كتلة مالية بالقطاع المصرفي.

وإذ يسأل خليل عن مدى صحة تأكيدات القطاع المصرفي بوجود سيولة في حين أن كافة المصارف تتراوح قدرتها على تسليم زبائنها الكاش بين 300 و500 دولار فقط، يأسف الى الحال الذي وصل إليه الإقتصاد ويقول نحن في حال ذوبان.

الإنهيار تدريجي

يتفق الخبير الإقتصادي غالب بو مصلح مع باقي الخبراء على أن لبنان بات في صلب الإنهيار الإقتصادي الذي بدأ تدريجياً ومن المرجّح أن يستمر لعدة سنوات، ويقول: إن مرحلة الإنهيار باتت واضحة بناء على العديد من المؤشرات السلبية من عجز ميزان المدفوعات والحساب الجاري الى ارتفاع مستويات البطالة والفقر وغيرها من الأزمات المتفاقمة مؤكداً أن لا حلول ما لم يحدث تغيير أساسي وجذري علماً أن الحراك لن يؤدي بين ليلة وضحاها الى تغيير حقيقي، وفق بو مصلح، لكن لا بد من تغيير وتصويب الأمور ولو بعد حين.