أولويات الشارع vs أولويات المجلس النيابي: عدل عام أم عفو عام؟

صحيح أن العفو العام المقترح يستثني جرائم مثل الاثراء غير المشروع وجرائم تبييض الأموال والإرهاب، الا أنه لا يستثني جرائم استغلال النفوذ والوظيفة والإهمال وتبديد المال العام والجرائم البيئية.

(العفو العام)

نجح ضغط الشارع في يومه السادس والعشرين بالضغط لتأجيل جلسة تشريعية كانت ستنعقد اليوم الثلاثاء، ولو أنها أبقت على جدول أعمالها دون أي تعديل. وفي حين عزا رئيس مجلس النواب نبيه بري التأجيل إلى أسباب “أمنية”، كان لافتا اعتبار بري للحملة التي قامت ضد الجلسة التشريعية  “ليس بسبب قانون العفو كما يزعم”، حيث رأى بأنها حملة “تهدف لإبقاء الفراغ السياسي القائم حاليا”. 

فما هي أسباب التخوف من إقرار مشروع قانون العفو العام المطروح على جدول الأعمال؟ وهل هو عفو عام للطبقة الحاكمة عن عدد من الجرائم المالية والبيئية أم أنه “لا يعفي أحد من اي تهمة مالية ماضية أو مستقبلية” على حد تعبير مقدم اقتراح القانون النائب ياسين جابر؟

بعد أن كان المجلس النيابي على موعد مع جلسة تشريعية للتصويت على عدد من مشاريع واقتراحات قوانين أبرزها اقتراح قانون العفو العام الذي أثار جدلا واسعا في اليومين الماضيين، وهو اقتراح وصفه عدد من القضاة والمحامين والحقوقيين بأنه محاولة من قبل السلطة لتنفيس الشارع وشراء الذمم والإفلات من العقاب عن عدد من الجرائم المالية والبيئية. فما هي أبعاد إقرار هذا القانون بالشكل المطروح،  وما هي بقية المشاريع الموضوعة على جدول أعمال الهيئة العامة للمجلس النيابي؟ 

يتم إقرار قانون العفو العام الشامل عادة عندما يُراد طي حقبة تاريخية في ذاكرة الشعوب، كالعفو العام الذي أقرّته الدولة اللبنانية في العام 1991 عن كل الجرائم التي حصلت منذ العام 1975، مع بعض الاستثناءات.

تم حلّ الميليشيات حينها، واعتبر “أمراء الحرب” الذي مسكوا بذمام السلطة أن ذلك يطوي صفحة الحرب، الا أن سياسات السلطات المتعاقبة منذ بداية التسعينات والأحداث الأليمة التي رافقت هذه الفترة هي خير دليل على أن صفحة الحرب الأهلية لا يمكن طيها بعفو عام، بل من خلال محاسبة حقيقية لمجرمي الحرب. فهل يسعى هؤلاء بالتعاون مع عدد من اللاعبين الجدد الذين دخلوا تركيبة الحكم بعد العام 2005 لإصدار عفو عام يمكن أن يعفي السياسيين والفاسدين من المحاسبة؟

صحيح أن العفو العام المقترح يستثني جرائم مثل الاثراء غير المشروع وجرائم تبييض الأموال والإرهاب، الا أنه لا يستثني جرائم استغلال النفوذ والوظيفة والإهمال وتبديد المال العام والجرائم البيئية. بدوره، المدير التنفيذي للمفكرة القانونية المحامي نزار صاغية كان من أول من رفعوا الصوت عاليا وحذّر من مفاعيل تمرير قانون العفو العام في المجلس النيابي، معتبرا في تغريدة له أن القانون بصيغته هذه هو: “لشراء الذمم وأيضا للعفو الذاتي تماما كما فعل أمراء الحرب في  1991”.

تتالت المواقف الرافضة لإقرار قانون العفو العام، أبرزها من نادي قضاة لبنان الذي رأى في بيان له ان العفو العام “إجراء استثنائي وخطير بتخّذ فقط في مراحل مفصلية في تاريخ الشعوب والأوطان (…) لسنا أمام صفحة يريد الشعب اللبناني طيها، ما يريد الشعب اللبناني طيه، هو زمن الفساد وعدم المحاسبة“. ردا على الأسباب الموجبة الواردة في اقتراح قانون العفو العام المقدّم من قبل النائبين ياسين جابر وميشال موسى هو “ان تجاوز الاثار الناجمة اما عن صراعات سياسية أو عن أزمات ذات طابع اقتصادي أو اجتماعي يتطلب اتخاذ تدابير استثنائية”، أشار نادي القضاة إلى أن لبنان “يعيش ثورة تطالب بالمحاسبة وتطبيق القانون” وبالتالي التدابير المطلوب اتخاذها “تتمثل في محاربة الفساد والمحاسبة وتطبيق القوانين والحكم بعقوبات رادعة والنهوض من الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه الوطن، لا ضرب مفهوم المحاسبة وتقويض القوة الرادعة للقوانين من خلال اقرار قانون العفو”. 

جرائم نهر الليطاني ومرج بسري يشملها العفو العام!

 صدر بيان عن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني تطالب فيه بإستثناء الجرائم الواقعة على البيئة والمياه وعلى نهر الليطاني من قانون العفو العام. وأشارت المصلحة في بيانها الى ان العفو العام عن هذه الجرائم “يتناقض مع مقتضيات المحاسبة القائمة حالياً، ومن شأنه أن يقوض جهود المصلحة والقضاء ولجنة الادارة العدل في حماية نهر الليطاني، ويشكل فرصة لكبار الملوثين للافلات من العقاب”.

 ومن الجرائم التي يمكن ان يعفو عنها تمرير هذا القانون، هي الجرائم المرتكبة بحق مرج بسري الذي تم تحريره ودخوله من قبل المواطنين، بعد أن كان منطقة محظورة على الناس حيث يعمل مجلس الانماء والاعمار على تشييد سد يقوم على تدمير مئات الأشجار المعمرّة ويهدد إنشاءه حياة الناس حيث يقع المرج على فالق، وقام مجلس الانماء والاعمار في اليومين الماضيين بسحب عدد من الآليات من داخل المرج تخوّفا من أي تصعيد محتمل قد يقوم به المحتجون على إنشاء السد. 

ماذا عن باقي جدول أعمال مجلس النواب؟ 

كان بارزا خلو جدول أعمال المجلس النيابي من اقتراح قانون استقلالية القضاء العدلي وشفافيته العالق في أدراج لجنة الإدارة والعمل، رغم دوره الأساسي في تعزيز استقلالية القضاء ومحاربة الفساد. كما غاب اقتراح قانون استعادة الأموال المنهوبة وهو المطلب الأبرز للانتفاضة الشعبية التي تنتظر زج “الرؤوس الكبيرة” خلف القضبان واسترداد أموالها المنهوبة منها. كما غاب عن جدول أعمال الجلسة التشريعية  أي شيء له علاقة بالموازنة العامة أو باقرار تدابير واجراءات يمكنها أن تحد من الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد. 

في مقابل ذلك، يأتي على جدول الأعمال اقتراح قانون معجّل مكرّر يرمي إلى إنشاء محكمة خاصة بالجرائم المالية. العنوان جذاب بحسب ما كتب القاضي فيصل مكي، ولكن قراءة المواد المقترحة “تبيّن خطورة هذا القانون وضرره الكبير”. اذ أن أعضاء هذه المحكمة ونيابتها العامة وقضاة تحقيقها يتم انتخابهم من قبل المجلس النيابي وهذا يعّد تعديا فاضحا على مبدأ فصل السلطات.

 وقد كتبت الأستاذة في القانون خلود خطيب عن اقتراح القانون نفسه أنه لا يعطي المواطن حق تقديم الادعاء المباشر. وفقا لأحكام الفقرة الأولى من المادة 12 من مشروع هذا القانون تحت عنوان: “الإحالة على المحكمة”، نصّت على ما حرفيته: “يحال الأشخاص الخاضعون لسلطة المحكمة على التحقيق بناءً على إخبار يتقدم به عشرة نواب على الأقلّ إلى النيابة العامة المالية، أو بناءً على تقرير من التفتيش المركزي أو على قرار من ديوان المحاسبة”. ما يعني باختصار: “مكانك راوح”.

أما اقتراح قانون رفع الحصانات عن موظفي الدولة المقدم من النائب حسن فضل الله فيدخل تعديلا “شكليا” يبقي على مبدأ الاذن المسبق لرفع الحصانة. فيما يشترط رفع الحصانة عن الموظفين موافقة رئيسه الأعلى، فإنه بموجب اقتراح القانون الجديد أضيفت مهلة 15 يوم لرئيس الادارة لقبول رفع الحصانة أو رفضها، ما يعني أن واقع قبول أو رفض منح الحصانة ما يزال على حاله. 

الإضراب العام مستمر

الشارع على موعد اليوم مع إضراب عام يتخلله إغلاق للمرافق العامة والمدارس والجامعات، وتحركات وتظاهرات عدة في محاولة للتصعيد وحث المعنيين على تشكيل حكومة إنقاذية في ظل التهديدات الاقتصادية الراهنة وأزمة المصارف. 

أما إغلاق المدارس والمعاهد والجامعات، فقد أتى قرار وزير التربية بإغلاقها ليحمي الطلبة وذويهم من إصرار بعض الإدارات على فتح أبواب مؤسساتها التربوية، رغم أن بعضها لم يلتزم قرار الوزارة. 

طلاب الجامعات بدورهم ولا سيما الجامعة اللبنانية، على موعد غدا مع تحرك مركزي أمام الادارة المركزية للجامعة اللبنانية في المتحف بدعوة من تكتل طلاب الجامعة اللبنانية في مسيرة تتوجه إلى رياض الصلح.

 رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية أعلنت بدورها استمرار الإضراب العام في الجامعة، معلنة تأجيل الاعتصام الذي كان مقررا أمام المجلس النيابي. يأتي موقف الرابطة رفضا واستنكارا لممارسات السلطة المتمثلة بـ “المماطلة والمراوحة غير المجدية، بدلا من المباشرة بتحقيق مطالب الشعب، وخاصة الإسراع بتشكيل حكومة جديدة”، مؤكدة أن الرابطة “في صلب الحراك الشعبي وكانت سباقة في تحركها، دعمها ومساندتها لحراك الأساتذة والطلاب والتلامذة”.

جلسة تشريعية غير دستورية

تنص المادة 32 من الدستور اللبنانية على أن “يجتمع المجلس في كل سنة في عقدين عاديين، فالعقد الأول يبتدئ يوم الثلاثاء الذي يلي ال15 من شهر آذار وتتوالى جلساته حتى نهاية شهر أيار والعقد الثاني يبتدىء يوم الثلاثاء الذي يلي ال15 من شهر تشرين الأول وتخصص جلساته بالبحث في الموازنة والتصويت عليها قبل كل عمل آخر وتدوم مدة هذا العقد إلى آخر السنة”.

 بمعنى اخر، فإن الدورة الحالية التي افتتحت في 22 تشرين الأول يفترض ان تكون مخصصة حصريا للبحث في مشروع قانون الموازنة العامة المحال من قبل الحكومة، وذلك قبل القيام بأي عمل آخر، لتكون بذلك جلسة المجلس النيابية التي أُجلت للأسبوع المقبل جلسة مشكوك بدستوريتها.  

“عدل عام مش عفو عام” هو الشعار الذي ردّ به المحتجون على محاولة إقرار قانون العفو العام، وبعد أن دعت مجموعات عدة إلى محاصرة مداخل المجلس النيابي قبل الموعد المحدد للجلسة من أجل منع النواب من إقرار عفو عن “الظالمين” بحجة العفو عن مظلومين، ما كان من الرئيس بري إلا أن أجّل الجلسة التشريعية حتى يوم الثلثاء المقبل، لكنه أبقى على جدول أعمالها كما هو، والذي يأتي ضمن بنوده العفو العام والاقتراحات والمشاريع التي جرى ذكرها أعلاه.