Illustration showing a fish food chain, with bigger fish eating smaller ones

قد يكون مجلس النواب بإقراره قانون المنافسة في جلسته الاخيرة قد نجح بإضعاف الوكالات الحصرية وهز عرش المحتكرين لكنه قطعاً لم يقض عليها، إنما ترك لها متنفساً من خلال إحدى مواد قانون المنافسة، الذي بات في أدراج مجلس النواب على مدى 14 عاماً.

لطالما عانى اللبنانيون من الاحتكارات والوكالات الحصرية ولا يزال حتى اليوم يعيش تحت رحمة وإرادة مستوردي ومحتكري المحروقات والقمح والدواء وحتى حليب الأطفال، أكثر من 60 في المئة مما يستهلكه اللبنانيون هو مُحتَكَر من قبل وكيل حصري غالباً ما يكون مدعوماً أو شريكاً لأحد السياسيين أو النافذين.

 منذ عام 1967 مُنح التجار والمستوردون في لبنان أصحاب الوكالات الحصرية بموجب مرسوم حمايةً منقطعة النظير تقوم على منح صاحب الوكالة الحصرية حق الإعتراض على استيراد البضائع التي يختارها من قبل تاجر او مستورد آخر وذلك بموجب قرار قضائي ودعم من الجمارك بمعنى آخر تم تجنيد الجمارك والقضاء على مدار عشرات الأعوام لخدمة وحماية مصالح أصحاب الوكالات الحصرية.

أصحاب الوكالات الحصرية في لبنان تمتعوا بنفوذ قوي على مدار الأعوام فنجحوا لأكثر من مرة في إفشال اي محاولات لكسر الإحتكارات في لبنان أو زعزعتها، إلى حين إقرار قانون المنافسة في مجلس النواب في 22 شباط 2022، فهل نجح لبنان فعلاً بكسر الوكالات الحصرية أم أنه ترك للمحتكرين منفذاً لإحكام سيطرتهم على الأسواق؟ 

الاحتكارات في لبنان 

ألغت كل دول العالم الوكالات الحصرية وآخرها الإمارات العربية منذ قرابة الأسبوعين، وتبعها لبنان منذ أيام قليلة، لكن الأمر هنا يختلف عن باقي الدول، ففي لبنان أكثر من 3316 وكالة حصرية منها 316 وكالة فقط قانونية مسجلة في وزارة الإقتصاد، أما الباقي فغير مسجّل، على الرغم من أنها كانت تمارس الإحتكار كاي وكالة حصرية آخرى ويستفيد أصحابها بالحصول على أحكام قضائية لمنع إدخال أي بضائع منافسة، هذا الأمر يضفي تعقيداً على آلية تطبيق قانون المنافسة الذي أقر حديثاُ وكسر الوكالات الحصرية المقوننة المصرّح عنها وغير المصرّح.

ولم ننس بعد كيف جفّفت الشركات المحتكرة إستيراد حليب الأطفال السوق منذ أشهر بهدف دفع مصرف لبنان لتغطية المستوردات بدولار مدعوم، حينها لم تتمكن لا الدولة ولا التجار من استيراد حليب الأطفال بفعل قانون يحمي الوكيل الحصري محتكر الحليب وصحة وحياة الأطفال. من هنا يمكن اعتبار قانون المنافسة الحديث إنجازاً نظراً لتقليمه أظافر التجار المحتكرين وأصحاب الوكالات الحصرية لكنه ليس بالقانون المثالي، فثغرات عديدة تشوبه.

وبالعودة إلى الاحتكارات في لبنان فالوكالات الحصرية تستحوذ على أكثر من 60 في المئة من حجم السوق التجارية، وتستفيد بالنسبة نفسها من أرباح الإستهلاك وقد جنت مليارات الدولارات على مدار أعوام مضت، فشركة واحدة او اثنتين في لبنان تحتكر كل من القطاعات التالية: الغاز المنزلي، الترابة، والبحص، المشروبات الغازية المياه المعدنية، الإتصالات، الحديد، حليب الأطفال وغيرها.

أما في قطاع المحروقات فعلى الرغم من وجود 14 شركة مستوردة فإنها تحتكر مجتمعة القطاع برمته ومثلها قطاع السيارات الجديدة تحتكره 15 شركة، وتحتكر 4 شركات للأدوية الغالبية الساحقة للسوق، و13 شركة تحتكر قطاع القمح والطحين، واللافت في الأمر أن القسم الأكبر من الشركات والتكتلات الاحتكارية إما محمية أو مملوكة من سياسيين.

اعتراض على القانون

لاقى قانون المنافسة الذي أقر حديثاً اعتراضات وملاحظات من قانونيين ومهتمين بالشأن العام، ولعل الإعتراض الأشرس جاء من جمعية حماية المستهلك التي يعتزم رئيسها التقدم بطعن بالقانون أمام المجلس الدستوري، والسبب المادة 9 من القانون.

وعلى الرغم من أهمية إقرار قانون المنافسة لكسر الإحتكارات المتربصة بالإقتصاد في لبنان منذ سنوات طويلة، غير أنه أورد ثغرة في المادة 9 منه تتيح للمحتكرين الإستمرار بنهج العمل عينه السائد اليوم، فالمادة المذكورة أقرت بشرعية نسبة هيمنة على السوق تصل إلى 35 في المئة وهي نسبة عالية جداً، لذلك وصف رئيس جمعية المستهلك زهير برو قانون المنافسة بـ”قانون تكريس الإحتكارات”.

ويرى برو أن القانون بشكله الحالي لن يؤدي لأي تغيير في خريطة هيمنة الاحتكارات وكل شيء سيبقى على حاله “وفي أحسن الاحوال ستضطر بضعة شركات، التي تمتلك حصة تتجاوز 35 في المئة إلى اعادة ترتيب وضعها وتأسيس شركة جديدة تحت اسم مستعار لشخص اخر لتبقى المهيمنة على السوق”.

يرى برو في حديث إلى “بيروت توداي” أن نسبة الهيمنة على السوق لا يجب أن تزيد عن 15 في المئة فقط، باعتبار أن امتلاك ثلاث أشخاص كل السوق لا يسمى اقتصاد حرّ بل احتكار.

من وجهة نظر برو فإن نسبة الهيمنة 35 في المئة على السوق لن تتمكن من كسر الإحتكارات وقطاع الإسمنت خير مثال، فهناك ثلاث شركات تستحوذ على سوق الاسمنت في لبنان تبيع الطن للمواطنين بسعر 100 دولار في حين أن سعره في البلدان المجاورة يتراوح بين 20 و25 دولاراً للطن. 

تلتقي الخبيرة القانونية المتابعة لملف قانون المنافسة جوديت التيني مع وجهة نظر جمعية حماية المستهلك لكون نسبة الـ35 في المئة مرتفعة جداً وترى في حديث لـ”بيروت توداي” أنه كان بالإمكان تحديدها بنحو 20 في المئة على سبيل المثال، لافتة إلى أن قانون التجارة الفرنسي لا يحدّد نسبة للهيمنة على السوق وهو يحظر استغلال الوضع المهيمن، وتشرح التيني بأن تشدّد القانون الفرنسي بعدم تحديد نسبة للهيمنة مرده إلى عدم فتح المجال على الإطلاق لوقوع حالة هيمنة على السوق حتى وإن كانت بنسبة  ضئيلة جداً.

ويشدد برو على أن لا اقتصاد حر من دون منافسة حقيقية “وهذا القانون الذي أقر لا يمكن اعتباره قانون منافسة لأنه يتيح الإحتكار بنسبة 35 في المئة من السوق من هنا يمكن اعتباره فعلياً قانون تنظيم الإحتكارات وليس قانون المنافسة”.

قانون المنافسة بين لبنان وفرنسا

تحظر المادة 9 من قانون المنافسة على كل من له وضع مهيمن في السوق سواء أكان شخصاً طبيعياً او شركة أو مجموعة أشخاص أو شركات أن يسيء استغلال هذا الوضع بشكل يؤدي إلى الإخلال بالمنافسة أو الحد منها أو منعها في السوق المعنيّة، وتعدّد هذه المادة، على سبيل المثال وليس الحصر، الأفعال التي تعتبر من قبيل الإخلال بالمنافسة او تحد منها او تمنعها، كما تعتبر هذه المادة الشخص الواحد او الشركة الواحدة في وضع مهيمن في السوق إذا كانت حصته لا تقل 35 في المئة. وهنا نسأل لماذا لم يتم اعتماد نسبة أخرى 20 في المئة او سواها؟ ما هي الأسس التي بُنيت عليها؟ 

تعتبر هذه المادة من القانون انّ مجموعة أشخاص أو شركات في وضع مهيمن في سوق معيّنة إذا كانت هذه المجموعة تتألف من 3 اشخاص أو اقل يشكّلون مجتمعين نسبة 45 في المئة من السوق أو إذا كانت تتألف من 5 أشخاص أو أقل يشكلون مجتمعين نسبة 55 في المئة من السوق.

وهنا نسأل لماذا على سبيل المثال لم يتم حظر استحواذ مجموعة تتألف من خمسة أشخاص على الأكثر بثلث السوق؟ الجواب بكل بساطة لعدم كسر الإحتكارات كلّياً، فالقانون أراد إضعاف الإحتكارات وليس كسرها.

وإذا كانت السلطة التشريعية تستوحي القوانين اللبنانية من القوانين الفرنسية فلماذا لم تحتذ بقانون التجارة الفرنسية؟ 

+ posts