“بيت بدنا نقعد فيه مش نهرب منه”
لم تَكن “ثريا” في مسرحية “بالنسبة لبكرا شو” لتُلخص حكاية المسرحية كاملة كما لخصتها في هذه الجملة، في حوارها مع زكريا في ثورته المؤقتة حول رغبته في وقف عملها رغبة في حماية لكرامته النفسية والإنسانية
مسرحية “بالنسبة لبكرا شو”
للراحل زياد الرحباني التي كتبها وأخرجها وقام فيها بأداء دور “زكريا” مع الفنانة نبيلة زيتوني في دور ثريا عام 1978 .. تعد من المسرحيات الأبرز لزياد الرحباني في طباعة لون الكوميديا السوداء، وواقعية القاع الصرفة على خشبة المسرح.
حيث تدور الحكاية حول زكريا وثريا الذين يهبطان هرباً من فقر الجبل، أملاً في ترقي مالي واجتماعي في بيروت، يعملان في حانة في محاولة للنجاة بأبنائهم في تعليم خاص جيد، وسداد أقساط منزل المدينة، وسط غابة من الاستغلال المادي تحت وطأة صاحب الحانة والزبائن الأجانب والعرب، تواعد ثريا الزبائن بتواطؤ أليم من زكريا تتخلله هَبات رفض بين الفينة والأخرى ليصل في النهاية لقتل زبون يقف مع ثريا، منهياً صراعه النفسي في إنصياعه المرهق للمادة والمجتمع وصلف الكبار المتحكمين بالمال في مصائر الجميع
الصراع الطبقي كثيمة رئيسية للدراما والصراع في المسرحية
اسم المسرحية والسؤال الذي كانت تطرحه ثريا من مشهد لآخر “بالنسبة لبكرا شو”، كان الأساس في تأجيج المخاوف والتصاعد الدرامي في العمل كاملاً
بداية من حساب احتياجاتهم المادية وكيف أنه رغم زيادة الدخل أصبحت المصاريف أكثر، مروراً بنقاش أي تعليم يليق بأطفالهم الخاص أم العادي؟
وخيالات كيف أن التعليم الخاص واللغات سيجعل منهم أكثر انفتاحاً اجتماعياً ومادياً ولا يكونوا نسخاً أصيلة مكررة من زكريا وثريا
.^أكد زياد الرحباني في المسرحية على فكرة واحدة، أنه لا نجاة ولا خلاص من سيطرة المادة والرأسمالية
.^صاحب الحانة هو من يقرر إمكانياتهم، أدوراهم ، رواتبهم، فرصهم في الحياة كعرضه على زكريا العمل في فرع الخليج
.^لا زيادات في الرواتب، ولا أمل
.^في الخلاصة أن “بكرا” يحدده فقط صاحب المال .
إنسحاق ثريا في مواعدة الزبائن في ظل من التخبط بين الرفض والاضطرار الذي يعيش فيه زكريا ويراقبه، تحت وطأة الحاجة .
جعل منهم ضمن إطار محكم وكل من يشبههم في نطاق اجتماعي لا يملك نفسه ولا جسده، ولا أفكاره ورغباته.. لأنه لا يملك مالاً ولا قدم في طبقة الأغنياء المتحكمين.
وما يُعزز تأطير فكرة الإنسحاق داخل طبقة واحدة بلا خلاص مؤكد، هو ما عرضه زكريا في حديثه عن أن الفقر في الجبل لم يكن يراه لكنه عاشه وتلامس مع وجعه في المدينة بشكل فج، وأنه أصبح يرى فقر الجبل والمدينة معاً بكل تبعاتهما
وأن المدينة كانت أكثر إصراراً على إنزال هَزيمة كئيبة بزكريا وثريا ومن معهما من طبقة عريضة ، كأنهم معلبون في صندوق خشبي محددي المهام والترقي، السعادة والحزن، المكافآت والخيبات ، وأمس والأهم من ذلك “بكرا” وما سيحدث به، كل هذا في حدود ما يقرره حامل الصندوق صاحب القوة والمال والنفوذ.
ينتهي الصراع بأن يرزح زكريا في السجن ، وتَجول ثريا بين الزبائن في الحانة على وقع الضوضاء والموسيقي لأنه لا ثَمة خروج من هذا القاع
لأن هذا هو “بكرا” الذي يقرره المتاح من الطبقة الأعلى لمن هم أمثالهم
قصائد أسامة فوضى التعبير وتأكيد نَفس الإذلال
“إنها أوهام مضادة للطائرات ، لف النسيم بين دِجلة والفرات”
كان حضور الشاعر أسامة في الحانة بمثل هذه الأبيات كشخصية أساسية، هو تأكيد من زياد رحباني أن العبث يطول الجميع، وأن شاعر من المفترض أن يعبرعن رُوح مجتمعه بِرقة وأشعار تعطي للنفس رِواء من الرضى والشعور الفني اللازم مع لمحة من الثقافة والحضور
لم يَكن له أن يقدم هذا الدور مطلقاً، بل وُظِف مسرحياً بأن يكون حاضر بالرد في تداخلات بين الحوارات في مشاهد المسرحية، كأنه مُكمل كوميدي ساخر يحمل قتامة الآسى الجمعي ويعبرعنه في مقتطفات صغيرة بلا إيمان أو إحساس شاعر
وحين أعلن بمداخلة عالية الصوت
“تسكنني اللامركزية”
في قصيدة – متعاقب أنا – كان هذا إعلان من زياد رحباني بأن السريالية والعبث يسيطرعلى الجميع، وأن شاعر يخلط بين الحوار والمونلوج والنَظم الشعري المنضبط ولا يخرج بقصيدة عامرة ما هو إلا تعبير عن الفوضى النفسية والإجتماعية وأنه لا إيمان بمركز أو نَسق شعري ولا اجتماعي
وأن أسامة هو الأخر يركض خلف رجل الأعمال العربي الذي يُمنيه تقطيراً بشراء قصائدة في معالجة للتحكم الرأسمالي من زاوية أخرى
ويتضح هَزل أسامة من البداية حينما نَبهه أحدهم بأنه نسى قصيدة له على الطاولة ، لكنه أخبره بمرارة مؤمنين
“أن هذه محاولة فاشلة نسى أن يقطعها طالباً أن يقطعها هذا الغريب بمعرفته”
في دلالة على إشراك الجميع في حَتمية الهَزيمة والإستسلام، وأن ما يقدمة ما هو إلا عبث أكيد تحت تأثير الحاجة والذل وأن للجميع حق في تمزيق الفشل الذي قدمه وينساه لأنه لا يجد فيه نفسه وبالتالي مجتمعه
زياد أكبر من المسرح
“زياد أكبر من المسرح”
بهذه الجملة الحاسمة وحركة يَد تؤكد إحكام السيطرة الإبداعية الإستثنائية ، وَصف المخرج المسرحي القدير روجيه عساف زياد رحباني في أحد اللقاءات التلفزيونية
وبين روجيه عساف وزياد الرحباني، نَمط مسرحي مغاير تماماً من حيث الشكل والنبرة وبنية النص وحالة التمثيل
فروجيه عساف التزم مسار إرتجالي جماعي على النهج القديم والذي حتى التزم به عاصي رحباني إلتزام المؤمنين، وعزز من هذا الإرتجال بالتقسيمات الجماعية القروية والأغاني التي تتشابك مع هموم إجتماعية وسياسية وطائفية هائمة على ثِقل من التراث المتأمل والأمِل في حضور نوستالجيا مُنقذه وأمل خَجِل في غَد أفضل
ففي مسرحية “إضراب الحرامية” التي كتبها أسامة العارف و من إخراج عساف ونضال الأشقر على سبيل المثال ناقش الطبقية والإنسحاق في فئة اللصوص وإضرابهم الرمزي هذا للحصول على حقوقهم ورؤيتهم لتحالف الدولة والمافيا وهي مسرحية برسالة سياسية يسارية أشد عمومية ومباشرة في عرضها الأول بداية السبعينيات
أما زياد رحباني كان واضحاً بصرامة لون القلق والخوف ، وقتامة الكوميديا السوداء الحارقة ،وأكثر تأكيدا للحالة تِلك بتعزيزه النصوص والهم الفردي الشخصي وإنارته بكافة الدعم الساخر والمونلوج والأغنية
كما في مسرحية “بالنسبة لبكره شو” بسخرية حاضرة وواقعية بلا أمل في إشارة للتِيه الذي كان يضرب هذا الجيل في نهايات السبعينيات وَسط فوران لبنان بالرصاص والصراع
عبر زياد رحباني عن القسوة والإنهيار الإجتماعي والنفسي تحت وطأة الواقع وأسمنت المدينة ، ورمادية الرصاص والحرب ، وأن جيلاً كاملاً يُدهس في الإستقطاب والقهر الإقتصادي
ربما يفسر هذا سبب وصف الأستاذ روجيه عساف بأن زياد” أكبر من المسرح”
لأن الواقعية السوداء هذه بنَفس فقدان الأمل التي تلبست أعمال زياد كانت أصدق من كل الأمال المُهدرة حتى وإن كانت ممتعة في خيالها وحضورها
“بالنسبة لبكرا شو”
هو سؤالي وسؤال بشري يحمل القلق من المستقبل اليومي الذي لا نراه ولا نملكه ، وتحديداً في جغرافيا شرق أوسيطة عبثية، و هو سؤال يُشبه الجميع من وَقت عرض المسرحية بكل مخاوفها التي طرحها زياد الرحباني وحتى اليوم
علامة استفهام تتسرب من جيل إلى جيل بلا مرجعية نهائية ، الكل قَلق من
بكرا ” ويَطرح ” شو “؟! بكل التوتر الكامن تحت ضغط الحياة وتوَحش المادية، و تصاعد الفقر في القرية والمدينة على حد سواء في ظِلال من السواد الأكيد
ضوء الأمل الوحيد من مسرحية “بالنسبة لبكرا شو” هو عملية ترميمها التي حدثت بدقة حرفيين، وإقبال مؤمنين على النجاة، بعد أن كانت الراحلة ليال رحباني تصور المسرحية بهدف مساعدة زياد وكاست العمل في تقييم الأداء، وخاضت الشرائط رحلة مكوكية بين لوس أنجلوس وهامبورج لتصحيح شرائط الصوت والصورة وإتقان ترميمها لتعود للعرض في بيروت عام 2016 في شكل عرض سينمائي بالسينمات
لتُبقى الإرث في سؤال ” بالنسبة لبكرا شو ” حاضراَ في متتاليات لأجيال قادمة، تحب أن تقرأ شئ من نوستالجيا الزَمن الجميل وفوضاه وأسئلته
مصادر
https://www.aljarida.com/articles/1463589931512278300
