بعد التحذير من كارثة السكن.. لبنان على أبواب أزمة تشرد

Image Credit: Milo Sharafeddine

“نحن على أبواب أزمة تشرد”.. بهذه الكلمات وصفت منسقة مشروع مرصد السكن وباحثة استديو أشغال عامة جنى حيدر، الوضع السكني في لبنان، وقالت في حديثها لموقع “بيروت توداي” إن: “هناك ارتفاعاً كبيراً ببدل إيجارات السكن مقابل معاشات ورواتب هزيلة وأطماع كبيرة من المالكين، والدولة ساكنة وعاجزة ولا تقوم بأي شي”، مؤكدة أن عددًا كبيرًا من المستأجرين يضطرون إلى إخلاء منازلهم لعدم قدرتهم على دفع الإيجارات بعد ارتفاعها بشكل جنوني، ما أدى إلى عملية تشريد كبيرة في ظل الأزمة الإقتصادية.

والمرصد هو منصة إلكترونية تفاعلية تهدف إلى جمع البحوث وبناء المناصرة وطرح البدائل من أجل تعزيز الحق في السكن في لبنان. ويسعى إلى وضع مقاربة متكاملة للسكن، مؤمنًا بأن السكن أكثر من مجرّد مأوى، إذ إنه يتضمّن الشبكات الاجتماعية والوصول إلى الموارد الأخرى التي توفّرها بيئة الحيّ.

وفيما وضع المرصد خطًا ساخنًا على الرقم (81017023) للإبلاغ عن أي تهديد بالسكن، تلقّى 57 بلاغًا خلال أشهر مارس (آذار)، أبريل (نيسان) ومايو (أيار) من عام 2022، تؤثّر على 239 شخصًا مهدّدين بسكنهم، من بينهم 113 طفلًا دون سن الـ18، حوالي 29 في المائة منهم يعيشون في خطر فقدان قربهم من مدارسهم، نتيجة تهديد سكنهم. 

وفي تقرير حديث للمرصد، اشتكى نحو 56 في المائة من مجمل الحالات المبلّغ عنها من مارس (آذار) حتى مايو (أيار) من عام 2022 من خرق المؤجّر لأحكام عقود الإيجار رغم عدم تخطّي مدّته الثلاث سنوات، و35 في المائة رغم عدم تخطيها مدّة السنة. 

وأشارت حيدر إلى أن المالكين يطلبون زيادة على قيمة الإيجار، إما رفعها بالليرة اللبنانية أو إجبارهم على سداد الإيجار بالدولار بحسب قيمة السوق السوداء، وأكدت أن الإيجارات ترتفع شهريًا، حاثة المستأجرين على معرفة حقوقهم، خصوصًأ أنهم ليسوا ملزمين بالاستجابة لطلبات المالك.


بالفيديو | نسأل الناس في لبنان عن زيادة أسعار الإيجارات

العقد الشفهي

ت. غصن متزوج وأب لأربع بنات، يقيم في البقاع ويعمل في مهنة حرة، استأجر منزله المكون من غرفتي نوم وصالون وحمام واحد منذ أربع سنوات ونصف السنة بموجب عقد شفهي، وتم الاتفاق مع المالك أن تكون قيمة الإيجار 200 دولار أميركي، أي ثلاثمائة ألف ليرة لبنانية، وكانت تدفع بالعملة المحلية، ولكن منذ ستة أشهر رفع المالك قيمة الإيجار إلى 750  ألف ليرة لبنانية.

وفي شهر يوليو (تموز) اجتمع المالك مع المستأجر وطلب رفع قيمة الإيجار إلى مليون ونصف ليرة لبنانية، فعندها رفض المستأجر هذا الأمر، وقال لـ”بيروت توداي” إن: “هناك عقد شفهي مع المالك، وخلال 6 أشهر ارتفعت قيمة الإيجار من 300 ألف إلى مليون ونصف، وهذا أمر لا يحتمل في ظل الأزمة الاقتصادية التي نعاني منها”.

وأوضح غصن أنه استشار قانونيًا فنصحه برفض الزيادة رغم كون العقد بين المستأجر والمالك شفهيًا، وأوضح له أن كتابة العقد تعود للإثبات وليست لإبرام العقد، مشيرًا إلى أن اللجوء إلى أصحاب الاختصاص في هذه الحالات هو أمر ضروري.


بالفيديو | الإسكان في لبنان: أزمة متعددة الأوجه تفاقمت بسبب الانهيار


ويؤكد القانونيون أن غياب عقد إيجار مكتوب لا ينفي وجود علاقة تعاقدية تمنح المستأجر حقوقًا، وترتّب موجبات على المؤجر. ويعترف القانون بعقد الإيجار الشفهي، ومن شأنه تأمين نفس الحماية القانونية التي يقدّمها العقد المكتوب للمستأجر، طالما يستطيع هذا الأخير إثبات بنود الاتفاق الشفهي. 

وتمتد الحماية القانونية للمستأجر في عقود الاستثمار لمدة ثلاث سنوات من تاريخ إبرام العقد، ولا يحق للمؤجّر التعديل في شروط الإيجار، كزيادة بدل الإيجار، أو الفسخ دون سبب قانوني، وبجميع الأحوال لا يحق له أن يخرج المستأجر دون الاستحصال على حكم بالإخلاء صادر من المحكمة المختصة.

وأكد غصن أنه قرر عدم الاستجابة هذه المرة لطلب المالك، وتاليًا رفض زيادة قيمة الإيجار، و”يلي بدو ياه يساويه”، معتبرًا أن “البقاء في المنزل هو حق ولن أتنازل عن حقي وحق أولادي”.

وبموازاة عمل مرصد السكن على دعم المستأجرين\ات المبلّغين/ات – خصوصًا من لم يحصل منهم/ن على عقد إيجار مكتوب – في مواجهة الممارسات التعسفية من خلال تقديم الاستشارات القانونية لهم/ن، يرى أنّه من الضروري إرساء آليّة تُمكّن هؤلاء المستأجرين من إثبات حقوقهم.

أمر قضائي

ووفقًا للاتفاقيات الدولية وتشريعات حقوق الإنسان والقوانين المحلية، لا يحق للمؤجّر إخلاء المستأجِر من المأجور إلا بأمرٍ قضائي، وطالما أنّ الإخلاء ليس رضائيًا، ولا يتم بأمرٍ قضائي، يحق للمستأجر الامتناع عنه، انطلاقًا من حقه في السكن.

وهذه الأمور تحصل في ظل شغور قانوني يحمي المستأجر ويحافظ على حقوق المالك، هذا ما لاحظته منسقة لجنة المحامين للدفاع عن حق السكن، مايا سبع أعين. 

وقالت: “حسب رصدنا لأعمال اللجان النيابية لم نلاحظ أي اقتراحات أو مشاريع قوانين لتنظيم الايجارات أو حماية المستأجِرين، وبجميع الأحوال، أي قانون يصدر من دون ضمان خطة شاملة للسكن، سيكون ترقيعيًا أو إنه يقدم حلًا لفترة قصيرة من دون أن يعالج أساس الأزمة”.

أما حسين. ع فيقيم في منطقة رأس بيروت مع والدته وولدين، وهو يستفيد من حق التمديد للإيجارات قبل العام 1992، لكن المالك رفض منذ 3 أشهر استلام قيمة الإيجار، وقال لـ”بيروت توداي” إنه: “صحيح أنني استفيد من حق التمديد، ولكن أقوم بموجباتي وأدفع قيمة الإيجار بصورة مستمرة، وكذلك أدفع الخدمات ومصاريف البناية، لا شك أن الإيجار قليل لكن هذا الأمر ليست مشكلتي، بل مشكلة الدولة التي عجزت عن تنظيم أزمة السكن وقضية الإيجارات القديمة”. 

حسين الذي يعمل في شركة خاصة ويتقاضى راتبه بالعملة اللبنانية رفض أيضًا أي زيادة على قيمة الإيجار، وأكد أن راتبه لا يكفي حتى منتصف الشهر، وأحيانًا كثيرة ينتهي في الأسبوع الأول من الشهر فيلجأ إلى الاستدانة من والدته أو أخيه المغترب، مشددًا على أن الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلد جعلت وضع عائلته صعبًا.

ولاحظت حيدر أن المستأجرين اللبنانيين قادرون على الوقوف بوجه المالك للمفاوضة على قيمة إيجار تلائم قدرته، في وقت أن اللاجئين أو العاملات والعاملين الأجانب (أثيوبيين أو بنغلادش…) الهاربين من نظام الكفالة ويعملون من دون أوراق ثبوتية قانونية.

رفع الإيجار أو الإخلاء

أزمة عقود الإيجارات تلاحق اللاجئين السوريين أيضًا، ورغم الأوضاع الصعبة التي يمرون بها، جاءت هذه الأزمة لتزيد الطين بلة، وبات اللاجئ، وعادة يكون الفريق الضعيف، عرضة للإخلاء في أي وقت في حال لم يوافق على رفع قيمة الإيجار.

أم أيهم اللاجئة السورية التي تقطن في منزل في منطقة شمسطار البقاعية أعربت عن حزنها لـ”بيروت توداي” نتيجة إصرار مالك المنزل الذي تسكن فيه على رفع قيمة بدلات الإيجار إلى الضعف تحت طائلة الخروج من المنزل، وأمهلها فقط حتى نهاية الشهر، وإلا قد يضطر إلى إرغامها على الإخلاء، حسبما قالت.

ورغم أن أم أيهم (اسم مستعار) تشكل الحلقة الأضعف فإنها رضخت لطلب المالك، واتفقت معه أن يبرم عقدًا خطيًا جديدًا بقيمة مليون ليرة لبنانية ولمدة 3 سنوات حسبما نص قانون الاستثمار الساري المفعول في لبنان، إلا أنه رفض واكتفى بإبرام عقد شفهي فقط لمدة سنة واحدة غير قابلة للتجديدة.

ولاحظت حيدر أن اللاجئين هم شريحة مستضعفة، خصوصًا أن البعض منهم ليس لديه أوراق ثبوتية أو يقيم بطريقة غير شرعية، منتقدة المالكين “المستغلين” الذين يهددون اللاجئين بالأجهزة الأمنية لاسيما غير القانونيين.

تحرش بالمستأجرين

وتحدثت عن مالكين لديهم سجل حافل بالسوابق الجرمية، أو يتمتعون بنفوذ ويمارسون تعديات على المستأجرين، على سبيل المثال استخدام القوة المفرطة، أو التحرش بالمستأجرين، أو التهديد بقوة السلاح، أو الابتزاز، لافتة إلى وجود فوضى كبيرة في ظل غياب كلي للدولة لتنظيم هذه النزاعات.

ولمست غيابًا كبيرًا للدولة في حل أزمة السكن، ورغم أن هذا الأمر كان سابقًا، إلا أنه تفاقم خلال جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية التي تضرب لبنان منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وبات تدخل الدولة مطلبًا ضروريًا.

وأوضحت حيدر أن هناك أمرًا أساسيًا للمرصد واستديو أشغال عامة، وهو إعادة توجيه الخطاب بموضوع الأزمة السكنية تجاه دور الدولة وأهمية أن تضع سياسة سكنية متكاملة، واعتبرت أن توجيه الإعلام للقضية بأنها بين المالك والمستأجر هو توجيه خاطئ لأن المشكلة الأساس هي غياب الدولة ونفض يديها من هذه الأزمة.

وحضت الإعلام على ضرورة توجيه الأسئلة إلى الدولة، ماذا فعلت؟ ولماذا لا تتحرك وماذا قدمت لحل أزمة السكن؟ وما لديها من خطط أو موارد لحل الأزمة؟

وكررت أن الجمعيات لا يمكنها أن تحل مكان الدولة العادلة والقادرة والمنصفة، ولكنها أحيانًا هي الحل لمتابعة بعض حالات الإخلاء أو التهديد بالإخلاء لأن الدولة ليس لديها أي مبادرات أو وسائل، معتبرة أن الحل الذي تلجأ إليه الجمعيات هو آني، ولفترة محدودة، وفي بعض الأحيان يكون تدخل الجمعيات في غير محله ويمكن أن يزيد المالك قيمة الإيجار.

سكتت قليلًا ثم أضافت: “لا حل لأزمة السكن إلا إذا كان صادرًا عن الدولة لترسي سياسة سكن عادلة مع النظر إلى الاحتياجات المختلفة في المجتمع، ويجب أن يكون سياسة متكاملة مع تأمين مساكن تطال جميع الشرائح”، حيث إنه لا توجد توثيقات أو أرقام عن مشاكل السكن.

ورأت أن السياسة السكنية هي اتجاه ونمط تفكير وأهداف للوصول إلى السكن العادل وتطبيقها يحتاج إلى برامج مختلفة، لاسيما وجود وحدات سكنية تقيمها الدولة لتكسر ابتزاز السوق الخاصة، معتبرة أن عدم تأجير البيوت الخاصة (لأن بدل الإيجار أصبح قليلًا) هو عملية ابتزاز لأن السكن هو حق.

انفجار أزمة السكن في ظل أزمة اقتصادية يحتم على الدولة أن تتحرك في أقرب وقت بعد تحذير من أزمة تشرد، لكن الاستحقاقات الدستورية وغياب استراتيجية سكنية يبدو من الصعب حل هذه الأزمة.

Exit mobile version