قصة نازح سوري يمتهن ”تنظيف المنازل“… ”فخور بنفسي“

قد يكون مهنّد المحمود عمل في مهنة “مخجلة لدى البعض”، لكن الأكيد أنه ضرب بعرض الحائط العادات والتقاليد. استطاع الشاب بإرادة قوية أن يكسر حاجز مهنة كانت حكراً على النساء، ويعمل في مجال  تنظيف المنازل، سعياً وراء لقمة عيش كريمة له ولعائلته.

الموضوع لم يكن سهلاً بالنسبة لمهنّد، لكنه استطاع أن يخرق البيوت برضى أصحابها لأن “الشغل مش عيب وكلنا فينا نضّف بيوتنا وأنا بساعدكم”، فمن هو هذا الشاب؟ 

مهنّد المحمود شاب سوري من مواليد 2001 نزح إلى لبنان مع عائلته هرباً من قصف تعرّض له مخيم اليرموك في دمشق، حيث فقد أخاً له بالعام 2012 في بداية الحرب السورية.

عائلة المحمود وصلت إلى لبنان في العام 2015، ومكثت في مبنى قديم مهجور تعرض لقصف خلال الحرب الأهلية اللبنانية في منطقة بحمدون في قضاء عاليه.

منذ العام 2016 حين كان في الخامسة عشرة من عمره، لم يلتحق مهنّد بالمدرسة بل وصل حتى الصف الثالث ابتدائي وبدأ في سوق العمل في منطقة بحمدون الجبلية “لمساعدة” والده وأمه وأخوته الأربعة وسط ظروف اقتصادية خانقة.

عمل في سوبر ماركت ثم انتقل إلى أوتيل “الصخرة” لمدة أشهر، تعرف على مجتمع جديد وهو لا يزال طفلاً. ثم ترك مهنّد العمل “الموسمي” في الاوتيل ليشق طريقه في مهنة “شريفة” ويحصل على المال من عرق “جبينه”. 

متمسك بالمهنة

“عندما بدأت العمل كعامل منزلي ابتعد أصدقائي عني وأصبحوا يخجلون بي وفقدت كل الرفاق”…يقول مهنّد لـ”بيروت توداي”  ثم يسكت قليلاُ ليستكمل: “أصحابي ذلوني وبهدلوني وقطعوا علاقتهم بي حتى أخوتي، لكنني أخذت خياري ومتمسك بهذه المهنة وأحبها كثيراً ولا أرتكب خطأ بل أنا فخور بنفسي”.

أضاف: “خلال عملي بين بحمدون وبيروت تعرفت على لبنانيين عدة ووجدث أشخاصاً أفتخر بهم، عاملوني بلطف وفتحوا منازلهم لي، وحين أدخل إلى بيوتهم لأنظفها اتخيل انني أدخل منزلي وأنظفه كما لو أنظف منزلي، وكنت أميناً على ممتلكاتهم وأغراضهم، وأحب أن أجري تعديلاً على ديكورات منازلهم لتكون أجمل وأكثر حياة”.

وتسببت الأزمة السورية في نزوح 5.7 ملايين لاجئ إلى البلدان المحيطة، ونزح أكثر من ستة ملايين سوري داخليا، وتسببت حتى الآن بمقتل أكثر من نصف مليون شخص، وأكثر من 2.5 مليون طفل سوري خارج النظام التعليمي وفق إحصاءات غير رسمية.

كلية واحدة

“كنت أحلم أن أبقى في المدرسة لأكمل دراستي وأتعلم الرسم لأنني أحب كثيراً هذا الأمر”… هذه أحلام مهنّد ابن العشرين ربيعاً، ولكن بحرقة قلب أضاف: “لم أعد أذكر شيئاً عن سوريا، وبالعكس أصبحت أحزن على لبنان وما يعانيه من أزمات فهو أصبح كبلدي، وما يهمني الآن هو البقاء إلى جانب أهلي وأساعدهم مادياً، وأمّن مستقبلاً خاصاً بي”.

طموح مهنّد قد يصبح حقيقة وهو يسعى إلى تحقيقه، إلا أنه يعاني من مشكلة صحية نشأت منذ ولادته، فهو ولد بكلية واحدة ويعاني أحيانا من وجع كبير في حال لم ينتبه إلى نوع الطعام الذي يتناوله، خصوصاً في ظل انقطاع الأدوية الخاصة به في لبنان أو ارتفاع اسعارها، وبات الأمر يشكل خطراً كبيراً.

مهنّد الذي لا تفارق الضحكة وجهه، أوضح أنه يتكيف مع العيش بكلية واحدة، لكنه يهتم بنوع الطعام ويقاوم الوجع، مشيراً إلى أن الطبيب نبهه أكثر من مرة أنه في حال لم ينتبه إلى نوع الطعام قد يضطر إلى البدء بغسل الكلى. 

الخدمة الإلزامية

وشدد على أن هدفه الأول الآن هو تجميع المال لدفع “بدل” الجيش، “لكي أذهب إلى “بلدي” وأعود إلى لبنان وأرى إخوتي، فهناك أخ لي لم أره منذ 9 سنوات وأحن إلى بلدتي وحيث نشأت.”

وفي العام 2017، صدر تعديل على مرسوم اشتراعي عفى بموجبه المكلفون من تأدية الخدمة الإلزامية لقاءَ دفع ثمانية آلاف دولار أميركي للمكلف الذي أقام إقامة دائمة في دول عربية أو أجنبية لمدة لا تقل عن أربع سنوات…”.

مرح وأمين

8 آلاف دولار أميركي مبلغ كبير مقارنة لما يجنيه مهنّد من بدل لقاء عمله كعامل منزلي، فساعة العمل تقدر قيمتها بـ20 ألف ليرة لبنانية، وهذا سعر يعد قليلاً نسبياً مقارنة مع عاملات المنازل التي تعمل بالساعة والتي لا تنقص سعر ساعتها عن 30 ألفاً من دون التنقلات، ولكن من يقارن بين مهنّد وأي عاملة يجد أن مهنّد سريع بالعمل ولا يراوغ بل يعمل بجد وبقوة وينظف ما لا تستطيعه أي عاملة لأنه قد يستخدم عدة لفك أي غرض من أجل تنظيفه، بحسب وصف ربة منزل يعمل لديها مهنّد.

وأوضحت ماجدة.ح لـ”بيروت توداي” أن “مهنّد شاب مهذب، وحين تعرفت عليه، استغنيت عن عاملات كانت تنظفن منزلي أو تساعدنني على ترتيب البيت، فهو دائماً مرح ويدرك تماماً كيف ينظف المنزل ولديه خبرة كبيرة في هذا المجال”، وقالت: “أصبح لدي ثقة بمهنّد وبات يدرك المنزل جيداً وحفظ بسرعة أماكن الأثات والأغراض المنزلية وهو شخص أمين”.

لا أصدقاء

إن كان رأي أصحاب البيوت بمهنّد بهذه الإيجابية يختلف الأمر عند أصدقائه، وكرر مهنّد القول: “ليس لدي اصدقاء والكل يهرب مني لأنني أمارس هذه المهنة، وشخصيتي ليست جميلة كي أرافق بنات، وعندما أحاول أن أقيم علاقة صداقة مع فتاة  ترفض لأنني لا أتكلم لغة أجنبية ولأنني أعمل بتنظيف المنازل”.

وكشف أنه كان على علاقة مع فتاة استمرت نحو سنة، وقال: “كانت “لذيذة” وكنت أحبها كثيراً لكن حين اكتشفت أنني أعمل في تنظيف المنازل هجرتني، وشعرت بغضب شديد حين قالت لي انك خدام في المنازل، فتركتها ولم أرد عليها”.

Exit mobile version