انتخابات “اللبنانية” تعود بـ”عنصرية” و نسبية “مشوّهة”

منذ العام 2008 الانتخابات معطلة في الجامعة اللبنانية. (الصورة الأصلية: (خليل حسن)
منذ العام 2008 الانتخابات معطلة في الجامعة اللبنانية. (الصورة الأصلية: (خليل حسن)

حسين مهدي


بعد توقف الحياة الديموقراطية في الجامعة اللبنانية، ومنع إجراء انتخابات طلابية لأكثر من 10 سنوات، سيطرت خلالها “قوى الأمن الواقع” على المجالس التمثيلية الخاصة بالطلاب (مجالس فروع الطلاب)، بغطاء سياسي وإداري وقانوني من رئاسة الجامعة اللبنانية. ها هي الجامعة الوطنية اليوم تنفض عنها غبار مرحلة ولّت، وتستعد  لموعد “مُفترض” مع انتخابات طلابية فيها وذلك آخر شهر تشرين الثاني.

هذه المرة أتى تحديد رئيس الجامعة اللبنانية فؤاد أيوب لتاريخ الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني موعدا لإنتخاب مندوبي الدوائر الانتخابية في كافة كليات وفروع الجامعة، والتاسع والعشرين من الشهر نفسه لانتخابات الهيئات الادارية لمجالس طلاب الفرع، كضمانة لحصول الانتخابات في موعدها مما يقلل من احتمال تأجيلها. الإنتخابات ستجري على أساس القانون النسبي، فهل تحفظ النسبية بالأطر التي أعدت بها التمثيل الطلابي ولو بشكل “نسبي”؟  

شوائب تعتري القانون…

النظام الانتخابي النسبي المقر ضمن القرار رقم 2362 المرتبط بالنظام الداخلي للاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية المصادق عليه من قبل مجلس الجامعة اللبنانية، يستثني كافة الطلاب غير اللبنانيين من الترشح أو الاقتراع في انتخابات مجالس فروع الطلاب. تجري الانتخابات بطريقة الاقتراع السري المباشر، على أساس لائحة مقفلة مكتملة ومطبوعة سلفا ذات ترتيب متفق عليه مسبقا. ولا يحق للناخب أن يعدّل في ترتيب هذه اللائحة أو أن يشطب اسم منها وذلك تحت طائلة بطلان القسيمة الانتخابية، أي اعتبارها ورقة ملغاة. 

هذا الإنجاز “منقوص” للجامعة اللبنانية بسبب ما يعتريه من شوائب في التمثيل الحقيقي للطلاب: فهو من جهة يحرم الطلاب غير اللبنانيين من حقهم في الترشح والاقتراع، ومن جهة ثانية فإن اعتماد اللائحة المقفلة المكتملة وفق ترتيب مسبق، مع تحديد مندوب واحد لكل مئة طالب على قاعدة نسبية واعتبار كل كلية موحدة أو معهد أو عمادة أو فرع أو مركز جامعي دائرة انتخابية واحدة، يشكل عائقا أمام قدرة الطلاب المستقلين أو القوى السياسية البديلة لتشكيل لوائح، وبالتالي يضرب صحة التمثيل لفئات واسعة من الطلاب. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ينتسب إلى الفرع الأول من كلية العلوم  أكثر من 5000 طالب وطالبة، ما يعني أن عدد أعضاء مجلس فرع الطلاب فيها لن يقل عن 60 عضوا! 

الجدير ذكره أيضا أن هذا القانون لا يراعي صحة التمثيل بين الاختصاصات والأقسام والسنوات على اختلافها وتدرجها، فلم يوزع النظام الانتخابي المقر المقاعد بحسب السنوات الدراسية أو الاختصاصات، ما يعني أن أقسام وسنوات بذاتها لن يتم تمثيلها، كسنوات الماستر حيث عدد الطلاب وتأثير أصواتهم الانتخابية ضئيل. 

سيئات وتداعيات النظام الإنتخابي المقر على التمثيل الطلابي استدعت مواقف عدة أبرزها البيان الصادر عن تكتل طلاب الجامعة اللبنانية الذي اعتبر اعتماد اللوائح المكتملة، عوضا عن اللوائح غير المكتملة، “يقلّص من الهامش الديمقراطي في اختيار الطلاب لممثليهم؛ بالتالي يُعيد هذا القرار إنتاج المعركة السياسية العامة في لبنان، التي تشكل السبب الرئيسي في تدهور وضع البلاد بفعل فساد السلطة الحاكمة، والمعطّلة لأي ممارسات ديمقراطية؛ كما يلغي أي أثر لاستقلالية فعليّة لدى الطالب، ضارباً بذلك جوهر الحركة الطلابية، وفارضاً سيطرة الأحزاب السياسية على الساحة الجامعية، حيث يُعزّز دور التحالفات السياسية داخلها، على حساب التحالفات المرتكزة على برنامج انتخابي واضح، هدفه الأول تشكيل تجمّع طلّابي ذو كفاءة عالية، قادرة على النهوض بجامعة وطنيّة بحثيّة مُنتجة”. لم يفغل عن حرمان الطلاب غير اللبنانيين من الحق بالترشح والاقتراع أشار التكتل إلى ان هذا القرار “يكرّس العنصريّة عبر خلقه شرخاً كبيراً ما بين الطلاب اللبنانيين والطلاب الأجانب في الجامعة، إذ ينفي عن الطلاب الأجانب صفة العضويّة في “الحركة المطلبيّة”، كما “يوحي بأنّهم غير معنيّين بالعمل الطلّابي المُتمحور حول الدفاع عن جامعتهم وحقوقهم كطلاب فيها”.

انتخاب اللجنة التنفيذية… ازدواجية المعايير 

ليس هذا كل شيء، فالقرار الصادر عن الجامعة اللبنانية يحدد طريقة انتخاب اللجنة التنفيذية للاتحاد الوطني للجامعة اللبنانية، وهي هيئة مركزية مسؤولة عن تنفيذ السياسة العامة للاتحاد، ويجري انتخابها من قبل الهيئة العامة وهي هيئة مؤلفة من كافة المندوبين المنتخبين من مختلف الدوائر الانتخابية، وهي أعلى سلطة في الاتحاد حيث تقوم برسم سياسة الاتحاد العامة، وتكون قراراتها وتوصياتها ملزمة لكافة هيئات الاتحاد.

وعلى الرغم من أن النظام المعتمد في انتخاب أعضاء اللجنة التنفيذية البالغ عددهم 25 هو النسبية، إلا أن اللافت هو أنها هنا على أساس لوائح مقفلة غير مكتملة، بخلاف طريقة انتخاب أعضاء مجالس فروع الطلاب، ما يشير إلى ازدواجية في المعايير التي اعتمدت خلال اعداد النظام الانتخابي. والجدير ذكره هو أنه وفقا للمعايير المعتمدة في النظم الانتخابية في هيئات مشابهة، فإن اللوائح غير المكتملة تعتمد دائما في الدوائر الانتخابية الكبيرة حيث عدد المقاعد كبير حفاظا على صحة التمثيل.

ما هي مهام مجلس فرع الطلاب في اللبنانية؟

تنحصر مهام مجلس فرع الطلاب بالأمور المتعلّقة بالنشاطات الداخلية للفرع والداخلة ضمن صلاحيته، على أن تبلّغ نسخة من هذه القرارات إلى اللجنة التنفيذية للاتحاد. الا أنه لا يمكن لمجلس الفرع في أي من الوحدات الجامعة أن يقرر اللجوء إلى وسائل الضغط الديمقراطي، بما فيها الاعتصام والإضراب، ما لم توافق اللجنة التنفيذية للاتحاد، فيما يقوّض مجلس فرع الطلاب عن قيامه بمهمة تمثيل الطلاب فعليا، حيث يكون بذلك دوره محصورا بمراسلة اللجنة التنفيذية حول أي مطلب أو شكوى أو قضية، وللأخير أن يقرر عن مجلس الفرع الخطوة الواجب عليه اتخاذها، حيث يمكن لرئيس الاتحاد أن يطلب من الهيئة الادارية لمجلس طلاب الفرع العودة عن أي قرار اتخذته “يتعارض مع مصلحة الجامعة”. 

لكن الهرمية في عمل الاتحاد لا تقف عند هذا الحد،  فتشكّل في كل وحدة جامعية مجلس طلاب الوحدة مؤلف من رؤساء مجالس طلاب الفروع في الوحدة وأمناء السر فيها، ويقوم هذا المجلس على صعيد الوحدة الجامعية بوظيفة مشابهة لوظيفة اللجنة التنفيذية، على أن تلتزم مجالس طلاب الوحدة بكافة قرارات اللجنة التنفيذية حتى ولو كان لديها رأي مخالف.

هذا النظام الهرمي في إدارة شؤون الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية تناقض مواده القانونية نفسها. ففي حين أن كافة الصلاحيات الخاصة بمجالس فروع الطلاب ومجالس طلاب الوحدة مقيّضة ومشروطة بموافقة اللجنة التنفيذية للاتحاد، فإن الهيئة العامة للإتحاد التي تضم ممثلي مجالس فروع الطلاب، هي بحسب النظام الداخلي السلطة الأعلى في الاتحاد وقراراتها وتوصيتها ملزمة  لكافة هيئات الاتحاد. 

ماذا عن إمكانية تعديل النظام الداخلي للإتحاد؟

يمكن للجنة التنفيذية للاتحاد أو لأكثر من ثلث أعضاء الهيئة العامة أن يتقدموا بمشروع تعديل مادة أو أكثر من هذا النظام، على أن توافق على هذا التعديل الهيئة العامة للاتحاد في جلسة يقتصر جدول أعمالها على مناقشة مشروع التعديل، وبنصاب أكثرية الثلثين من أعضاء مجموع أعضاء الهيئة العامة، على أن يجري التصويت على التعديل بالغالبية المطلقة. وفي حال توافرت كل هذه الشروط، ووافقت الهيئة العامة على تعديل مادة أو أكثر من النظام الداخلي، فإن اقرار هذه التعديلات مشروطة بصدورها عن رئيس الجامعة اللبنانية بعد موافقة مجلس الجامعة عليها. 

لكن بيكار المعترضين على النظام الداخلي للاتحاد اتسع ليضم، إضافة إلى تكتل طلاب الجامعة اللبنانية وبعض المستقلين والتيارات اليسارية داخل الجامعة، التيار الوطني الحر،   فقد أصدر مكتب الجامعة اللبنانية في قطاع الشباب والرياضة في التيار الوطني الحر بيانا رفض بموجبه “قانون الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية بالشكل المطروح”، فهذا القانون “لا يمثّل الطلاب، إذ يهمِّش دور فئة معينة منهم ويعزز المركزية الطلابية أي أنه يحصر الصلاحيات بيد سلطة واحدة مركزية”. وفي الوقت عينه أعلن التيار تمسكه بإجراء الانتخابات في الوقت المحدّد من قبل مجلس الجامعة اللبنانية، أي في أواخر تشرين الثاني، “على أن تشكل لجنة لمتابعة دراسة قانون اتحاد طلاب الجامعة اللبنانية الذي يُعرف بالظالم”

اعتراض التيار ليس محصورا فقط بالاعتراض على وجود “سلطة واحدة مركزية”، فلم يقله البيان أشارت إليه مصادر داخل قطاع الشباب والرياضة في التيار الوطني الحر لـ”بيروت اليوم”، اذ يطالب التيار الوطني بالحصول على ضمانة لتكريس المناصفة داخل اللجنة المركزية في الاتحاد وذلك للمحافظة على “الوفاق الوطني” وضمان التمثيل والشراكة داخل الاتحاد. 

 وما بين الاعتراض على شكل النظام الانتخابي المقر من قبل مجلس الجامعة اللبنانية، والاعتراض على غياب “المناصفة” داخل اللجنة التنفيذية في الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية هل تجري انتخابات لمجالس فروع الطلاب وتعطّل بعدها انتخابات اللجنة التنفيذية لأسباب طائفية؟ أو هل ستؤجّل الانتخابات برمتها مرة جديدة فيما لو تم “افتعال” إشكالات طلابية شبيهة  بالاشكالات التي تحصل عند كل مرة يكون هناك حديث عن انتخابات طلابية قريبة؟